أشرف كاره
أكذوبة .. صناعة السيارات الحالية فى مصر؟!
كانت رؤية صناعة السيارات التى شرعت بها الدولة المصرية إبان فترة حكم الرئيس الراحل / جمال عبد الناصر بستينيات القرن الماضى .. مبنية على محورين رئيسيين ، أولهما أن مصر قادرة على أن تكون إحدى القواعد الصناعية العالمية (ولو حتى على مستوى المنطقة) وهو ما إتضح بما قدمته وقتها "شركة النصر للسيارات" من مستوى صناعى متطور يضارع فيات الإيطالية وهيونداى الكورية ، والثانى بطبيعة الحال بأن يكون لمصر علامتها التجارية التى ستفخر بها أمام الأمم والتى ستغطى بطبيعة الحال إحتياجات شعبها من سيارات ركوب ، شاحنات ، وحتى باصات لنقل الركاب العام والخاص .. وإستمرت هذه الرؤية فى الإضمحلال – عاماً بعد عام – مقابل التطور السريع بصناعة السيارات عالمياً إلى أن وصلنا إلى مرحلة (وئـــد) تلك الشركة العريقة أثناء فترة مذبحة خصخصة القطاع العام وقطاع الأعمال.
ومع النصف الثانى من ثمانينات القرن الماضى – وما تلاها من أعوام – ظهر وحش أمريكا العظيم "جنرال موتورز" مع رؤيتها التى تمثلت بمصنعها المصرى بمدينة السادس من أكتوبر ، ثم "جيب" من خلال تعاون كرايسلر والهيئة العربية للتصنيع مع مصنع (AAV) ثم تلاهما مصنع سوزوكى ونيسان .. إلى أن وصلنا اليوم لما يزيد عن 15 مصنع للسيارات فى مصر وما يحوونه لأكثر من 30 علامة تجارية على خطوط إنتاجهم ، والآخذة فى التزايد عاماً بعد عام.. والتى وصلت نتيجة تجميعهم مجتمعين مدعاة للسخرية العالمية محققين لما يمكن تسميته "أكذوبة صناعة السيارات المحلية فى مصر!!".
ولكن دعونا اليوم نقف (وقفة جادة) لتقييم ما وصلت إليه هذه الصناعة على الساحة المصرية والمردود الحقيقى الذى قدمته للإقتصاد المصرى بصفة عامة ، وللمواطن المصرى (العادى) بصفة خاصة..
فعلى جانب الإقتصاد بشكل عام ، فقد تحولت كافة مصانع السيارات المصرية (وخاصة سيارات الركوب) إلى أداة يستفيد منها المستثمر الذى أنشأها دون غيره !! فقد تمكنوا من خلال هذه المصانع من تخفيض الجمارك على السيارات الواردة بشكل مباشر من خلال إستيرادها كقطع مفككة وإستكمالها بنسب بسيطة من مُصنعيين محليين (والذين بدورهم يستوردون أغلب مكونات أجزاء تصنيع صناعات السيارات المغذية) ، وبالوقت نفسه لم ترق أعداد السيارات المنتجة من كافة هذه المصانع "مجتمعة" لرقم إنتاج مصنع عالمى واحد يقوم بتصنيع السيارات وتصدير أغلب إنتاجه – ولن أقول هنا كوريا أو اليابان أو حتى أوروبا كنماذج معروفة لدينا فى هذا الإتجاه ، ولكن سأقول أنظروا لما فعلته "المغرب" بالسنوات الأخيرة ومع إقترابها من حاجز تصنيع (مليون) سيارة سنوياً ومن عدد محدود من الطرازات .. ولا تستهلك محلياً منها أكثر من 10% – وهو ما وضع مصر ويستمر فى وضعها داخل دائرة التساؤل التى لا تنتهى لماذا نقوم بإهدار كل هذه الإستثمارات؟ وأين الرؤية اٌستراتيجية والمستقبلية للدولة المصرية فى هذا الإتجاه؟ – حتى مع إحتسابنا الإيجابى لبعض المحاولات المحدودة الأرقام لتصدير سيارات مجمعة محلياً – بينما كان من الأجدر أن يتم العمل على مشروع لتصنيع السيارات بشكلِ قومى (ربما من خلال شركة مساهمة تجمع كل هؤلاء المُصنعيين على طراز أو طرازين تفرضه الحكومة ويكون قابل للتصدير وهو ما سيحقق لهم المنافع المادية المرجوة أيضاً)، أو التحول إلى التركيز على التصنيع الكمى للصناعات المغذية للسيارات وتصدير معظمها .. كما فعلت "تونس" على سبيل المثال.
ومن ناحية أخرى، لا أنكر مافعلته شركات تصنيع الباصات فى مصر وعلى رأسها (MCV) والتى قدمت نموذجاً عالمياً لصناعة وتصدير الباصات وخاصة مع تصنيفها الآن من كبار المُصنعيين بهذا القطاع على مستوى العالم ، وذلك لأنهم فهموا أن هذه الصناعة تقوم بالدرجة الأولى على العمالة الكثيفة من جانب ، وأن مكونات الباصات يمكن تصنيع نسبة كبيرة منها محلياً وبالتالى لن يكون معيار الإستيراد لها ضمن أولوية إستثمارات الشركة ، وهو ما إنعكس على تمكن هذا النموذج من توليد عملة أجنبية داخل منظومة الإقتصاد المصرى .. والأمر نفسه يسير بنفس الإتجاه مع "جيوشى لصناعة الباصات" ونسبياً مع باصات جنرال موتورز.
أما عن إنعكاس ذلك جميعه على المواطن ، فقد كان المستفيد الأول هو صاحب القدرة المالية على الشراء (وبخاصة السيارات الفاخرة من ما يتم تجميعه محلياً) لأنه تمكن من خفض ما سيدفعه من قيمة جمركية على سيارته ، بينما لم يستفد عامة الشعب من تلك الصناعة نهائياً لأن دخولهم لا تتمكن من تغطية أسعار شراء كافة السيارات بالسوق حتى ولو بأنظمة التقسيط وعالية الفوائد وربما عالية مخاطر توقف العملاء عن السداد بسبب تراجع مستويات دخول الأفراد عبر السنين – وأعتقد أن أرقام مبيعات سوق السيارات المصرى بالنسبة لعدد سكان الدولة ، لهو أبلغ دليل على ما أقول -
وإذا ما قال أحدهم أنها صناعة كثيفة العمالة ، وتخدم فى تشغيل العديد من العاملين ، فسأرد عليه بقول خبير السيارات الكبير م/ رأفت مسروجة الذى كان دائماً ما يقول بأن نمو عدد أكبر من مراكز الخدمة وإدخال هؤلاء بالصناعات المغذية كثيفة العمالة ، أو حتى توجيه هؤلاء للعمل بمشروعات الإستثمارات البديلة والتى ستدر دخلاً حقيقياً على الدولة .. إنما سيستوعب كافة هؤلاء العاملين ويزيد.
إنها ليست رسالة هجوم على هذه الصناعة الهامة ، ولكنها رسالة تحذير من الإستمرار فى فقدان العديد من الفرص الإستثمارية التى تحتاجها مصر فى ظل ما تواجهه من ضغوط إقتصادية كبيرة خلال السنوات الأخيرة ، وعدم إدراك صناع القرار بها لما يجب تقديمه فعلاً من مشروعات تبنى من إقتصادها وتفيد الأجيال الحالية وأجيال المستقبل.
















