السوق العربية المشتركة | بين الدولار وسلاح الفائدة.. من يدفع فاتورة الاستقرار الاقتصادي؟

الدولار يقترب من 56 جنيها والبنك المركزي يرفع الفائدة.. فهل أصبح المواطن هو الحلقة التي تتحمل تكلفة المواجهة

السوق العربية المشتركة

السبت 31 أكتوبر 2026 - 21:55
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
بين الدولار وسلاح الفائدة.. من يدفع فاتورة الاستقرار الاقتصادي؟

بين الدولار وسلاح الفائدة.. من يدفع فاتورة الاستقرار الاقتصادي؟

الدولار يقترب من 56 جنيهاً والبنك المركزي يرفع الفائدة.. فهل أصبح المواطن هو الحلقة التي تتحمل تكلفة المواجهة؟ لم يعد ارتفاع الدولار مجرد رقم يتغير على شاشات البنوك، ولم يعد قرار رفع الفائدة شأنًا يخص البنك المركزي وحده. فكل تحرك في سعر الصرف أو أسعار الفائدة ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن، وتكلفة الإنتاج، وقرارات المستثمرين، وقدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد. قرار البنك المركزي المصري برفع أسعار الفائدة بنسبة 1% في 29 أكتوبر 2026، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، يأتي في توقيت يشهد فيه سوق الصرف ضغوطًا واضحة، بعد وصول الدولار إلى مستويات تجاوزت 56 جنيهاً  لكن السؤال الأهم: لماذا نرفع الفائدة الآن؟ وهل تستطيع هذه الخطوة حماية الجنيه ومواجهة التضخم؟ اقتصاديًا، رفع الفائدة وسيلة يستخدمها البنك المركزي لامتصاص السيولة، وتقليل الاقتراض والإنفاق، وجعل الادخار بالجنيه أكثر جاذبية. كما يمكن أن تساعد العوائد المرتفعة في جذب بعض الاستثمارات الأجنبية إلى السوق المصرية، بما يخفف الضغط على العملة. لكن المشكلة أن ارتفاع الدولار لا يرتبط فقط بزيادة الطلب عليه، وإنما يتأثر أيضًا بتكلفة الاستيراد، والتوترات الجيوسياسية، وحركة رؤوس الأموال، واحتياجات الاقتصاد من العملة الأجنبية. وهنا يجب أن ندرك أن رفع الفائدة قد يخفف الضغوط على الجنيه، لكنه لا يعالج وحده جذور أزمة الدولار. فمن المستفيد ومن يتحمل التكلفة؟ المواطن الذي يمتلك مدخرات قد يستفيد من ارتفاع عوائد بعض الشهادات والودائع، لكن المواطن الذي يعتمد على راتب ثابت يواجه تحديًا أكبر؛ فارتفاع الدولار ينعكس على أسعار السلع، وارتفاع الفائدة يزيد تكلفة القروض والتمويل. أما التاجر، فيجد نفسه بين ارتفاع تكلفة البضائع المستوردة وزيادة تكلفة التمويل، وفي الوقت نفسه يواجه مستهلكًا تراجعت قدرته الشرائية. وبالنسبة للمصانع والشركات، فإن ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يدفع بعضها إلى تأجيل التوسعات وتقليل الاستثمار، وهو ما قد يؤثر على الإنتاج وفرص العمل. أما الحكومة، فتواجه تحديًا إضافيًا يتمثل في ارتفاع تكلفة خدمة الدين المحلي عند إعادة التمويل، إلى جانب زيادة تكلفة الالتزامات الخارجية بالجنيه مع انخفاض قيمة العملة. بمعنى آخر، قرار رفع الفائدة قد يساعد في مواجهة التضخم، لكنه يحمل في الوقت نفسه تكلفة اقتصادية لا يمكن تجاهلها. وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: هل نستطيع مواجهة التضخم من خلال تقليل الاستهلاك فقط، أم أننا بحاجة إلى زيادة الإنتاج؟ في رأيي، لا ينبغي أن يظل النقاش محصورًا في رفع الفائدة أو خفضها، لأن استقرار العملة لا يتحقق بمجرد زيادة العائد على الجنيه، وإنما يحتاج إلى اقتصاد قادر على توفير احتياجاته وزيادة صادراته وتوليد موارد مستدامة من العملة الأجنبية.



نحن بحاجة إلى دعم الصناعة المحلية، وتسهيل الاستثمار، وزيادة الصادرات، وتعزيز السياحة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع الاهتمام الحقيقي بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها مصدرًا مهمًا للإنتاج والتشغيل. فلا يمكن أن نطالب المستثمر بالتوسع بينما ترتفع تكلفة التمويل، ولا أن نطالب المواطن بتحمل أعباء الإصلاح دون أن يشعر بتحسن في دخله ومستوى معيشته. الخلاصة أن رفع الفائدة قد يكون أداة ضرورية في مواجهة الضغوط النقدية، لكنه ليس حلًا بمفرده.

فالاقتصاد القوي لا يُقاس فقط بسعر الدولار أو بمستوى الفائدة، وإنما بقدرته على الإنتاج والمنافسة وخلق فرص العمل وتوفير العملة الأجنبية.

وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس: كيف نواجه ارتفاع الدولار؟ وإنما: كيف نبني اقتصادًا لا تهزه كل أزمة خارجية، ولا يدفع المواطن وحده ثمن اختلالاته؟ لأن الطريق إلى استقرار الجنيه يبدأ من قوة الاقتصاد، وليس من سعر الفائدة وحده.