السوق العربية المشتركة | حين يشيخ الآباء وتغيب القلوب ويجف نبع الحنان

كان البيت في الماضي تسكنه المودة وتظلله الرحمة وتدفئه كلمات الحب الصادقة.كان الأب يعود من عمله فتتسابق إليه

السوق العربية المشتركة

الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 01:47
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
حين يشيخ الآباء وتغيب القلوب ويجف نبع الحنان

حين يشيخ الآباء وتغيب القلوب ويجف نبع الحنان

كان البيت في الماضي تسكنه المودة، وتظلله الرحمة، وتدفئه كلمات الحب الصادقة.  كان الأب يعود من عمله فتتسابق إليه الأقدام قبل الأعين، أما اليوم، فقد تبدلت أشياء كثيرة! أصبحنا نعيش في زمنٍ ازدحمت فيه البيوت بالأثاث، وافتقرت إلى المشاعر، زمنٍ كثرت فيه وسائل التواصل، وقلّ فيه التواصل الحقيقي، والحب والحنان. نرسل عشرات الرسائل يوميًا للغرباء، ونعجز عن إرسال كلمة حنان لوالدٍ ينتظر صوتا، أو أمٍ تترقب سؤالًا يطمئن قلبها. كم هو مؤلم أن يجلس الأب وحيدًا يتذكر أيامًا كان أبناؤه يلتفون حوله، فإذا بهم اليوم يمرون من جواره وكأن السنوات الجميلة لم تكن، وكأنهم الحاضرين الغائبين... موجودين وغائبين! أين أنتم.. إن أكثر ما يكسر قلب الوالدين ليس الفقر ولا المرض ولا قسوة الحياة... بل شعورهما بأنهما أصبحا على هامش حياة أبنائهما بعدما كانا كل حياتهم. لقد حمل الأب أبناءه على كتفيه وهم صغار، وسهر الليالي ليؤمن لهم حياة كريمة، وأفنت الأم عمرها بين خوفٍ عليهم ودعاءٍ لهم ودموعٍ تخفيها عنهم حتى لا يشعروا بالألم. لكن بعض الأبناء ينسون... ينسون اليد التي أمسكت بأيديهم أول الطريق، والصدر الذي احتواهم يوم ضاقت بهم الدنيا، والعين التي كانت تسهر إذا مرضوا، والقلب الذي كان يدعو لهم قبل أن يدعو لنفسه. لقد قلّ الحنان لأن متاع الدنيا سرقت منا أجمل ما فينا... أصبحت المصالح أسرع من المشاعر، وأصبحت الشاشات أقرب إلينا من أهلنا، وأصبح كثيرون يعرفون أخبار العالم كله، لكنهم يجهلون ما يدور في قلوب آبائهم وأمهاتهم. والمأساة الحقيقية ليست في قلة الحب، بل في تأجيله... نؤجل الزيارة إلى الغد، والكلمة إلى الغد، والعناق إلى الغد، ثم يأتي يوم لا نجد فيه من نزوره، ولا من نقول له: "أحبك"، أو "وحشتنى"، عندها فقط ندرك أن العمر كان أقصر مما ظننا، وأن الوالدين لم يكونا مجرد أشخاصٍ في حياتنا، بل كانا الحياة كلها. أيها الأبناء... لا تنتظروا أن تحملوا النعش لتدركوا قيمة من كان يحمل همومكم. ولا تنتظروا أن تقفوا أمام قبرٍ صامت لتقولوا كلماتٍ كان أصحابها ينتظرون سماعها وهم أحياء. اقتربوا من آبائكم وأمهاتكم ما داموا بينكم، وقبّلوا أيديهم، وأغرقوهم بالاهتمام، والحنيه وأشعروهم أن تعب السنين لم يذهب هباءً. فوالله ما من قلبٍ أصدق حبًا من قلب أم، وما من ظهرٍ انحنى لأجلك أكثر من ظهر أب.. فحنان الأب هو السند والقوة. ويبقى السؤال المؤلم: كم من أبٍ وأمٍ أحياء اليوم، لكنهم يعيشون غربةً قاسية داخل بيوتهم وبين أبنائهم؟ وكم من ابنٍ سيبكي غدًا لأنه لم يمنح والديه اليوم بعضًا من الحنان الذي منحاه له عمرًا كاملًا؟ فالحنان لا يحتاج مالًا، والشوق لا يحتاج موعدًا، والحب لا يحتاج مناسبة... إنه يحتاج قلبًا يتذكر قبل فوات الأوان. لكن لابد أن نلحق قطار الحنان والحنيه... أعطوا آباءكم وأمهاتكم من الحب ما استطعتم، فسيأتي يوم تتمنون فيه دقيقةً واحدةً بقربهم، فلا تجدون إلا الذكريات والدعاء، وحينها لن ينفع الندم.