بين الحكمة والنفوذ.. الدبلوماسية الملكية ترسخ مكانة المغرب قوةً إقليمية وشريكًا دوليًا موثوقًا
شيماء صلاح
في كل عام، يحتفل الشعب المغربي في الثلاثين من يوليو بذكرى عيد العرش المجيد، وهي مناسبة وطنية تجسد مسيرة متواصلة من البناء والإصلاح، وتعكس المكانة التي تحتلها المؤسسة الملكية في قيادة التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة على المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وخلال السنوات الأخيرة، برز المغرب كفاعل إقليمي ودولي مؤثر، مستندًا إلى رؤية استراتيجية جعلت من الدبلوماسية المغربية أداة فاعلة لحماية المصالح الوطنية، وتعزيز الحضور المغربي في مختلف المحافل الدولية. وشهدت السياسة الخارجية للمملكة تطورًا لافتًا، حيث نجحت في بناء شبكة واسعة من الشراكات المتوازنة مع مختلف القوى الدولية، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، وهو ما عزز من مكانة المغرب كشريك موثوق يتمتع بالمصداقية والقدرة على التوفيق بين المصالح الوطنية والانفتاح على العالم. ويبرز ملف الصحراء المغربية باعتباره أحد أهم النجاحات التي حققتها الدبلوماسية المغربية، بعدما انتقلت المملكة من مرحلة الدفاع عن مواقفها إلى مرحلة تحقيق مكاسب دبلوماسية متتالية، تمثلت في تزايد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، وتنامي الدعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلاً واقعيًا وذا مصداقية، إلى جانب افتتاح عدد كبير من القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة، بما يعكس التحول الذي عرفه هذا الملف على المستوى الدولي. ولم تتوقف الرؤية الملكية عند الدفاع عن الوحدة الترابية، بل امتدت إلى إطلاق مبادرات استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للقارة الإفريقية، وفي مقدمتها المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، بما يفتح آفاقًا جديدة للتجارة والاستثمار والتنمية، ويعزز التكامل الاقتصادي بين المغرب وعمقه الإفريقي. كما شكل مشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية بالقارة، باعتباره مشروعًا للتعاون جنوب-جنوب يهدف إلى دعم الأمن الطاقي، وتحقيق التنمية الاقتصادية، وربط العديد من الدول الإفريقية بشبكات الطاقة، بما يعزز التكامل الإقليمي ويفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والنمو. وعزز المغرب حضوره داخل القارة الإفريقية بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي، حيث استعاد دوره في المؤسسات القارية، ووسع من شراكاته مع مختلف الدول الإفريقية عبر عشرات الاتفاقيات والمشاريع التنموية، ليصبح فاعلًا رئيسيًا في صياغة السياسات الإفريقية والمساهمة في معالجة التحديات المشتركة. وفي موازاة ذلك، اتجهت المملكة إلى تنويع شراكاتها الدولية، من خلال توطيد علاقاتها مع قوى اقتصادية كبرى، بما يعكس سياسة خارجية تقوم على التوازن والانفتاح، وتمنح المغرب قدرة أكبر على حماية مصالحه في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي. وعلى مستوى القوة الناعمة، استطاع المغرب أن يقدم نموذجًا متميزًا في نشر قيم الاعتدال والتسامح، عبر مؤسسات دينية وتعليمية متخصصة في تكوين الأئمة والمرشدين، وهو ما عزز حضوره الروحي داخل القارة الإفريقية وخارجها، ورسخ صورته كبلد يدافع عن الوسطية ويحارب الفكر المتطرف. كما أصبحت المملكة شريكًا أساسيًا في منظومة الأمن الإقليمي والدولي، بفضل التعاون الأمني والاستخباراتي مع عدد من الدول، وجهودها في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، الأمر الذي عزز الثقة الدولية في المؤسسات الأمنية المغربية، ورسخ مكانة المغرب كعامل استقرار في منطقة شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. وفي مجال الوساطة وحل النزاعات، واصل المغرب أداء أدوار دبلوماسية مهمة، من خلال احتضان جولات الحوار بين الأطراف الليبية، والمساهمة في تقريب وجهات النظر، إلى جانب استمرار جهوده في دعم القضية الفلسطينية عبر رئاسة لجنة القدس، والعمل الإنساني والتنموي الذي تضطلع به وكالة بيت مال القدس الشريف. ومع حلول ذكرى عيد العرش المجيد، تتجدد صورة المغرب كدولة استطاعت، بفضل رؤية ملكية بعيدة المدى، أن تحول الدبلوماسية إلى رافعة للتنمية، وأداة لتعزيز السيادة الوطنية، وجسرًا لبناء الشراكات وصناعة الاستقرار، لترسخ المملكة مكانتها كقوة إقليمية صاعدة وشريك يحظى بالاحترام والثقة على الساحتين الإقليمية والدولية.


















