السوق العربية المشتركة | من الإعانة إلى التمكين: استراتيجية صينية لوقف الانتكاسة الاقتصادية

في وقت تعتبر فيه دول كثيرة أن القضاء على الفقر هو خط النهاية تتعامل الصين مع المسألة باعتبارها بداية مرحلة

السوق العربية المشتركة

الجمعة 13 فبراير 2026 - 18:39
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري

من الإعانة إلى التمكين: استراتيجية صينية لوقف الانتكاسة الاقتصادية

في وقتٍ تعتبر فيه دولٌ كثيرة أن القضاء على الفقر هو خط النهاية، تتعامل الصين مع المسألة باعتبارها بداية مرحلة أكثر حساسية. فبعد إعلان القضاء على الفقر المدقع عام 2021، انتقلت بكين إلى تحدٍّ جديد: كيف تمنع الأسر الهشة من الانزلاق مجددًا إلى دائرة العوز عند أول أزمة صحية أو اقتصادية؟



هذا التحدي برز بوضوح في المناطق الريفية، حيث يمكن لمرض خطير، أو فقدان وظيفة، أو كارثة طبيعية، أن يبدّد سنوات من التحسّن المعيشي. ومن هنا أطلقت الحكومة فترة انتقالية (2021–2025) لربط إنجازات مكافحة الفقر باستراتيجية الإنعاش الريفي، بهدف تثبيت المكاسب ومنع “الانتكاسة” إلى الفقر.

نظام إنذار مبكر… قبل أن تتفاقم الأزمة

تعتمد المقاربة الجديدة على الرصد المبكر للمخاطر. فرق محلية تقوم بزيارات دورية للأسر لمتابعة أوضاع الدخل والعمل والنفقات الكبرى، فيما تتكامل بيانات جهات متعددة كالتأمين الصحي والتعليم والمساعدات الاجتماعية لرصد أي مؤشرات إنذار، مثل ارتفاع المصروفات الطبية أو فقدان مصدر رزق.

عند اكتشاف خطر محتمل، يجري التدخل سريعًا عبر حزمة دعم مصممة وفق احتياجات كل أسرة، بما يمنع تفاقم الأزمة وتحولها إلى فقر فعلي.

دعم فوري… ثم تمكين طويل الأمد

السياسة لا تكتفي بالمساعدات العاجلة، رغم أهميتها في تثبيت الحد الأدنى للمعيشة خلال الأزمات. بل تركز على إعادة إدماج الأسر القادرة على العمل في دورة الإنتاج، من خلال التدريب المهني، وتوفير فرص العمل، ودعم الأنشطة الصغيرة، وتسهيل الوصول إلى الأسواق. الفكرة الأساسية أن الإعانة المؤقتة تحمي من السقوط، لكن الدخل المستدام هو ما يمنع تكرار الأزمة.

تنمية الصناعات المحلية وتوسيع فرص العمل

تسعى السلطات المحلية إلى إدماج الأسر منخفضة الدخل في سلاسل القيمة للصناعات الريفية، من الإنتاج إلى التعبئة والتسويق. كما يجري خلق وظائف قريبة من أماكن السكن عبر مشروعات صغيرة وورش مجتمعية، إضافة إلى تنظيم برامج توظيف عابرة للأقاليم لربط العمال بفرص في مناطق أكثر ازدهارًا هذا التنوع في مصادر الدخل يعزز قدرة الأسر على الصمود أمام الصدمات المفاجئة.

شراكات إقليمية لتقليص الفجوات

في ظل التفاوت بين المناطق الشرقية الأكثر تقدمًا والمناطق الغربية أو الجبلية الأقل نموًا، تعتمد الصين على شراكات دعم بين الأقاليم. هذه الشراكات لا تقتصر على تمويل مشروعات، بل تشمل تبادل الخبرات وإرسال كوادر تعليمية وطبية وإدارية، إلى جانب فتح أسواق جديدة للمنتجات الزراعية. الهدف هو بناء قدرة محلية مستدامة، لا مجرد تقديم دعم مؤقت.

ما بعد الفقر… اختبار الاستدامة

التجربة الصينية في هذه المرحلة تركز على سؤال جوهري: هل تستطيع الأسرة مواجهة الصدمة التالية دون أن تنهار أو تعود إلى نقطة الصفر؟

من هنا لم يعد الهدف مجرد خفض أرقام الفقر، بل إنشاء شبكة أمان مرنة وسريعة الاستجابة، توفر “أرضية حماية” حقيقية عند الأزمات.

وبين المساعدات العاجلة، وتنمية القدرات، وتعزيز فرص العمل، تبدو المعركة الحالية في الصين ليست ضد الفقر فقط، بل ضد عودته.