السوق العربية المشتركة | مصر والمغرب.. علاقات أخوية راسخة تتجاوز الخلافات وتراهن على المستقبل

العلاقات الأخوية بين مصر والمغرب ليست وليدة لحظة سياسية عابرة ولا ترتبط فقط بتقاطع المصالح أو تبدل الحكومات

السوق العربية المشتركة

الجمعة 23 يناير 2026 - 19:47
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري

مصر والمغرب.. علاقات أخوية راسخة تتجاوز الخلافات وتراهن على المستقبل

العلاقات الأخوية بين مصر والمغرب ليست وليدة لحظة سياسية عابرة، ولا ترتبط فقط بتقاطع المصالح أو تبدّل الحكومات، بل هي علاقة ممتدة في الزمن، تتغذى من عمق حضاري وروابط إنسانية وثقافية تجعل من البلدين ركيزتين أساسيتين في الوجدان العربي والإفريقي. فعلى امتداد عقود طويلة، ظلّ التواصل بين القاهرة والرباط حاضرًا في أكثر من مسار، من الدبلوماسية والتنسيق السياسي، إلى الثقافة والفن والتعليم، وصولًا إلى التبادل الاقتصادي والسياحي، بما يعكس صورة علاقة تتجاوز الرسمي إلى الشعبي، وتتجدد كلما حاولت الظروف أن تفرض توترًا أو سوء فهم. في السياسة، تحافظ مصر والمغرب على قاعدة ثابتة من الاحترام المتبادل وعدم الانجراف نحو القطيعة، حتى حين تختلف التقديرات بشأن بعض الملفات الإقليمية. وتكمن قوة هذه العلاقة في أنها تدرك أن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن القواسم المشتركة أكبر من نقاط التباين. وعلى الدوام، كان الحرص قائمًا على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وتغليب لغة التفاهم، باعتبار البلدين من الدول العربية ذات الثقل التاريخي والمؤسسي، والقادرة على تقديم نموذج للتوازن في زمن الاستقطاب. أما على المستوى الشعبي، فالعلاقة بين المصريين والمغاربة تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية أكثر مما تظهر في البيانات الرسمية. فالمغربي يجد في مصر مساحة مألوفة ثقافيًا وإنسانيًا، والمصري يشعر في المغرب بالقرب ذاته، لا سيما مع تشابه العادات ودفء الاستقبال وروح “الأخوة” التي تتكرر في شهادات الناس قبل تصريحات المسؤولين. ومن هنا، تتكوّن طبقة صلبة من العلاقات الإنسانية: طلبة يدرسون، أسر تتصاهر، فنانين يتعاونون، وإعلاميين ومبدعين يتبادلون التجارب، ما يجعل الرصيد الشعبي ضمانة إضافية لاستمرار العلاقة في أفضل حالاتها. الثقافة كانت دائمًا أحد أهم الجسور بين البلدين، إذ مثّلت مصر تاريخيًا أحد مراكز الإنتاج الثقافي العربي، بينما احتفظ المغرب بخصوصيته الغنية التي تمزج بين العربي والأمازيغي والأندلسي والإفريقي. هذا التنوّع خلق فضاءً للتبادل لا للمنافسة؛ فالحضور المصري في المغرب واضح عبر السينما والدراما والأغنية، والحضور المغربي في مصر يتجلى عبر الأدب والفن والموسيقى والفعاليات الثقافية، بما يؤكد أن القوة الناعمة يمكن أن تكون عامل توحيد حقيقي، حين تتوافر الإرادة والاحترام. اقتصاديًا، ورغم أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يتأثر أحيانًا بعوامل السوق واللوجستيات، فإن العلاقات الاقتصادية تحمل فرصًا قابلة للنمو، خصوصًا في مجالات الاستثمار والتصنيع والتجارة والخدمات والسياحة. كما أن الخبرات المتبادلة في قطاعات مثل البنية التحتية، والطاقة، والصناعات الغذائية، يمكن أن تكون قاعدة لانطلاقة أكبر إذا اقترنت بتسهيلات عملية تشجع القطاع الخاص وتفتح مسارات شراكة أكثر تنوعًا. وفي المجال الرياضي، تتجلى حساسية العلاقات العربية أحيانًا في لحظات التنافس، لكن التجربة تؤكد أن مصر والمغرب غالبًا ما استطاعتا ضبط الإيقاع وإبقاء التنافس في إطاره الطبيعي، خاصة حين يتقدّم صوت العقل والدعوة إلى الروح الرياضية. كرة القدم، مثلًا، قد تشهد شحنًا لحظيًا، لكن الروابط الأعمق بين الشعبين تظل أقوى من أي جدل جماهيري عابر، وهو ما يظهر سريعًا في عودة الودّ بمجرد انتهاء المباراة أو تجاوز الحدث. التحدي الحقيقي أمام العلاقات الأخوية بين مصر والمغرب ليس في التاريخ ولا في الروابط، بل في إدارة اللحظات الرمادية التي تصنعها الشائعات أو سوء الفهم أو “التضخيم” الإعلامي على منصات التواصل. وهنا تبرز أهمية الخطاب المسؤول من النخب والإعلام، لأن العلاقات بين الدول ليست مجرد سياسات، بل أيضًا صورة ذهنية قد تتأثر سريعًا إذا غاب التوازن. لذلك يصبح تعزيز التبادل الإعلامي والثقافي، وتوسيع البرامج المشتركة بين الجامعات والمؤسسات، أدوات ضرورية لحماية هذه العلاقة من أي محاولات للتأزيم أو الاستغلال. في النهاية، تظل العلاقة بين مصر والمغرب علاقة أخوة قبل أن تكون علاقة مصالح، لأنها تقوم على تاريخ طويل من التقارب، وعلى وعي سياسي غالبًا ما يرفض الانزلاق إلى القطيعة، وعلى رصيد شعبي يجعل البلدين أقرب مما يظن البعض. وبين القاهرة والرباط مساحة واسعة للعمل المشترك، عربيًا وإفريقيًا، ومسؤولية مضاعفة في زمن تتطلب فيه المنطقة أصواتًا عاقلة وشراكات حقيقية، لا تُبنى على الانفعال، بل على الاحترام والتفاهم والمصير المشترك.