السوق العربية المشتركة | منتدى مصر 2026.. من الحوار إلى القرار

ليست قيمة المؤتمرات والمنتديات بما تحشده من أسماء أو ما تشهده من جلسات ونقاشات وإنما بما تتركه من أثر في حيا

السوق العربية المشتركة

الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 13:56
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
منتدى مصر 2026.. من الحوار إلى القرار

منتدى مصر 2026.. من الحوار إلى القرار

ليست قيمة المؤتمرات والمنتديات بما تحشده من أسماء، أو ما تشهده من جلسات ونقاشات، وإنما بما تتركه من أثر في حياة المواطنين، وما تطرحه من حلول للمشكلات، وما تفتحه من آفاق للمستقبل. ومن هذا المنطلق، تتجه الأنظار إلى «منتدى مصر 2026»، باعتباره فرصة مهمة لمراجعة ما تحقق، ومصارحة النفس بما لم يتحقق، ورسم ملامح مرحلة جديدة تستند إلى الحوار الجاد، والرؤية الواضحة، والعمل القابل للقياس.



 

فالرهان الحقيقي ليس في استعراض الإنجازات، مهما بلغت أهميتها، وإنما في امتلاك الشجاعة لتقييم التجربة، وتحديد أوجه القصور، ووضع أولويات واضحة للسنوات المقبلة. والسؤال الذي ينبغي أن يتصدر أعمال المنتدى: كيف نحول ما تمتلكه مصر من إمكانات وطاقات بشرية وفرص واعدة إلى اقتصاد أقوى، ومجتمع أكثر عدالة، وحياة أفضل للمواطنين؟

 

لقد فتح الرئيس عبدالفتاح السيسي الباب أمام مؤسسات الدولة والخبراء والمواطنين للمشاركة بأفكارهم ومقترحاتهم. وهذه الدعوة تضع الجميع أمام مسؤولية وطنية تتجاوز حدود إبداء الرأي إلى المشاركة في صناعة الحلول. فبناء المستقبل ليس مهمة الحكومة وحدها، ولا مسؤولية الخبراء بمعزل عن الناس، وإنما هو عمل مشترك يحتاج إلى تكامل الرؤى، والاستماع إلى نبض الشارع، والاستفادة من التجارب الناجحة، واحترام الاختلاف باعتباره مدخلًا لتصحيح المسار، لا سببًا للخلاف.

 

ويبقى المواطن هو الحكم على نجاح المنتدى، والمقياس الحقيقي لجدوى مخرجاته.

 

فالمواطن لا ينتظر توصيات براقة أو عبارات إنشائية، وإنما يريد أن يرى أثرًا ملموسًا في حياته اليومية؛ أسعارًا أكثر انضباطًا، وفرص عمل حقيقية، وتعليمًا أفضل، وخدمات صحية أكثر كفاءة، وسكنًا ملائمًا، وحماية اجتماعية تصل إلى مستحقيها. ويريد إجابات واضحة عن كيفية تحويل الخطط الاقتصادية إلى فرص، والاستثمارات إلى وظائف، ومشروعات التنمية إلى تحسن يشعر به في مستوى معيشته.

 

ومن هنا تكتسب محاور المنتدى، وفي مقدمتها بناء الإنسان، والتنمية المتكاملة، وجودة الحياة، والحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي والمائي، والاقتصاد، والطاقة، والاستثمار، أهمية استثنائية. فهذه الملفات ليست جزرًا منعزلة، بل منظومة واحدة؛ لا تنمية مستدامة دون إنسان مؤهل، ولا اقتصاد قوي دون إنتاج، ولا استقرار اجتماعي دون عدالة في الفرص، ولا مستقبل آمن دون حماية الموارد الحيوية للدولة.

 

ويأتي الأمن الغذائي والمائي في مقدمة التحديات التي تستوجب رؤية تتجاوز الحلول المؤقتة. فالعالم يواجه اضطرابات في سلاسل الإمداد وتقلبات في أسعار الغذاء والطاقة، وهو ما يفرض التوسع في الإنتاج المحلي، ودعم الزراعة، وترشيد استخدام المياه، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز كفاءة منظومة التخزين والتوزيع. كما يتطلب حماية الأسواق من الاحتكار والتلاعب بالأسعار، حتى لا تتحول الأزمات الدولية إلى أعباء إضافية على كاهل الأسر المصرية.

 

أما الاقتصاد، فإن نجاح السياسات لا ينبغي أن يُقاس بمؤشرات النمو وحجم الاستثمارات وحدهما، وإنما بقدرتها على خلق فرص عمل مستدامة، وزيادة الإنتاج، وتحسين الدخول، وتخفيف الضغوط المعيشية. فالسؤال الذي يشغل المواطن ليس فقط كم حقق الاقتصاد من نمو، بل كيف انعكس هذا النمو على حياته؟ ومتى تتحول ثمار التنمية إلى واقع يلمسه في منزله وعمله واحتياجات أسرته؟

 

ولعل الإقبال على المشاركة في المنتدى، وما يتيحه من مساحة لعرض الأفكار، يمثلان مؤشرًا مهمًا على رغبة قطاعات واسعة في أن يكون لها صوت مسموع في صياغة الأولويات. غير أن هذه المشاركة تفرض مسؤولية أكبر في التعامل الجاد مع المقترحات، خصوصًا ما يتعلق بالتعليم وسوق العمل والثقافة والإعلام. فالمشاركة الحقيقية لا تُقاس بعدد المسجلين أو حجم التفاعل الإلكتروني، بل بمدى قدرة الأفكار الجادة على الوصول إلى دوائر صنع القرار والتحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

 

وهنا تبرز القضية الأهم: ماذا بعد المنتدى؟ فالنجاح لا يتحقق بمجرد انعقاد الجلسات أو إعلان التوصيات، وإنما بوجود آلية واضحة للمتابعة، ومسؤوليات محددة، وجداول زمنية معلنة، ومؤشرات تقيس التقدم، ومصارحة للرأي العام بما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر. ومن حق كل مواطن شارك بفكرة أن يعرف مصيرها، ومن واجب المؤسسات أن توضح كيف تعاملت مع المقترحات، وما الذي يمكن تنفيذه، وما الذي يحتاج إلى مراجعة أو وقت أطول.

 

إن الحوار الوطني الجاد لا يخشى الأسئلة الصعبة، ولا يعتبر النقد البنّاء انتقاصًا من الجهود، ولا يكتفي بالأصوات المؤيدة. بل يفتح المجال أمام الرأي المختلف، ويواجه المشكلات بموضوعية، ويوازن بين الإمكانات والطموحات، ويضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

 

منتدى مصر 2026 ليس مجرد مناسبة للحوار، بل فرصة لاختبار قدرة الحوار على صناعة التغيير.

 

نريد منتدى لا تنتهي رسالته بإسدال الستار على جلساته، ولا تُطوى توصياته داخل الملفات، وإنما يصبح نقطة انطلاق لعمل جاد يربط بين طموحات المواطنين وخطط الدولة، ويمنح الشباب فرصة حقيقية للمشاركة، ويحول الأفكار المبتكرة إلى مشروعات، والتوصيات إلى قرارات، والقرارات إلى إنجازات.

 

فالأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بحوار شجاع يقود إلى قرار، وقرار مسؤول يتحول إلى عمل، وعمل يثبت نجاحه في حياة الناس.

 

تلك هي المعادلة التي ننتظرها من منتدى مصر 2026: مصارحة بلا مجاملة، وأولويات بلا ارتباك، ومشاركة بلا إقصاء، ونتائج لا تبقى حبيسة، فالمستقبل لا تصنعه النوايا وحدها، بل تصنعه الإرادة حين تقترن بالتخطيط والمحاسبة والإنجاز. ومصر التي تتطلع إلى غد أفضل تستحق أن يكون هذا المنتدى بداية لمرحلة يكون فيها صوت المواطن حاضرًا، واحتياجاته أولوية، ونتائج الحوار معيارًا للحكم على النجاح.