السوق العربية المشتركة | عبد الرحيم كمال يفتح دفاتر طوني ماريني بين اللغة والذاكرة والخيال

في ندوة تكريمية ضمن فعاليات منتدى أصيلة الثقافي الدولي قدم الباحث والروائي والأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد ا

السوق العربية المشتركة

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 02:33
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري

عبد الرحيم كمال يفتح دفاتر طوني ماريني بين اللغة والذاكرة والخيال

في ندوة تكريمية ضمن فعاليات منتدى أصيلة الثقافي الدولي، قدم الباحث والروائي والأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، عبد الرحيم كمال، قراءة في المشروع الفكري والجمالي للكاتبة والناقدة طوني ماريني، من خلال مداخلة حملت عنوان «الكتابات الصامتة حسب طوني ماريني: اللغة والذاكرة والخيال»، متوقفًا عند الأبعاد العميقة التي تحكم تصورها للفن، وعند الأشكال والرموز التي تعمل في صمت داخل الذاكرة البصرية والثقافية.



 

واستهل كمال مداخلته بتوجيه الشكر إلى منظمي الندوة وإلى طوني ماريني، مشيرًا إلى وجود اتفاق مبدئي بينها وبين الباحث على تقديم مقدمة لكتابه المرتقب، وهو عبارة عن «قاموس صغير معلل» يتناول المفاهيم والمصطلحات والأفكار التي تتكرر في كتابات ماريني حول الفن.

 

وأوضح أن مشروعه يندرج ضمن محاولة قراءة تجربة ماريني من زاوية خاصة، من خلال دراسة تحمل أيضًا عنوانًا فرعيًا هو «طوني ماريني: العين، الفكر والثقافة»، معتبرًا أن كتاباتها تشكل تجربة متميزة في الخطاب حول الفن، لأنها تطرح إشكالات لا تزال تحتفظ براهنيتها حتى اليوم.

 

ثلاثة مبادئ في فكر طوني ماريني

وتوقف كمال عند ما اعتبرها ثلاثة مبادئ أساسية تحكم التفكير لدى طوني ماريني، أولها رفض نوع من المركزية الإثنولوجية الغربية في النظر إلى الثقافات والفنون، وثانيها اعتماد مسار نقدي انعكاسي يقود إلى ما سماه «تغريب الذات» أو إعادة النظر في موقع الذات أمام الآخر.

 

أما المبدأ الثالث، فيرتبط بمحاولة الكشف عن الميتافيزيقا الكامنة خلف التقنية؛ أي البحث عما يتجاوز الجانب الظاهري للأشكال والأساليب الفنية، للوصول إلى الدلالات الثقافية والفكرية التي تحملها.

 

كما عرض الباحث ثلاثة منطلقات أساسية في تصور ماريني، تتمثل في «الحداثة الحرارية»، التي لا تنظر إلى الحداثة باعتبارها معيارًا عالميًا ثابتًا، وإنما باعتبارها موقعًا استراتيجيًا لمعالجة قضايا معينة، إلى جانب مفهوم حياة الأشكال و**«الداخل المزدوج»**.

 

اللغة الخفية خلف الأشكال

وفي المحور الأول من مداخلته، ركز كمال على مفهوم اللغة، مستعيدًا اهتمام ماريني بما وصفه باللغات السرية والأشكال القديمة والمنسية التي تشكل طبقة صامتة في الأعمال الفنية، ولا سيما في التجربة المغربية.

 

وأشار إلى حضور هذه الرؤية في قراءتها لأعمال عدد من الفنانين المغاربة، من بينهم محمد شبعة، محمد القاسمي، أحمد الشرقاوي، محمد المليحي، فريد بلكاهية ومحمد الغرباوي، حيث لا تتوقف القراءة عند الشكل المباشر، وإنما تبحث في الجذور الرمزية والثقافية التي تختزنها الأعمال.

 

واستحضر في هذا السياق مجموعة من العلامات والأشكال التي حضرت في الثقافة البصرية، مثل علامة تانيت، والماندالات ما قبل التاريخية، والخطوط المتعرجة، والمضلعات النجمية، والمثلثات والثعبان، وقداسة الحناء، معتبرًا أن هذه العناصر يمكن أن تشكل مفاتيح لفهم طبقات أعمق من الذاكرة الفنية.

 

وبحسب كمال، فإن هذا الاشتغال يفتح الفن الحديث على بعد أنثروبولوجي، حيث تتقاطع الذاكرة المشتركة والرموز القديمة مع التجارب الفنية الحديثة، بما يسمح بإعادة التفكير في العلاقة بين الثقافات بعيدًا عن التقسيمات الجامدة.

 

الذاكرة بوصفها «أركيولوجيا» للخيال

وانتقل كمال إلى المحور الثاني، المتعلق بـالذاكرة، متوقفًا عند مفهوم «الذاكرة الأركيولوجية» باعتبارها مخزونًا من الإمكانات والخيالات التي تظل كامنة إلى أن تجد طريقها إلى التجسيد في العمل الفني.

 

وأوضح أن هذه الذاكرة لا تعمل بطريقة واحدة، بل تتحرك عبر الطفرة والانقطاع والاستمرارية المباشرة أو الاستمرارية الخفية، لتظهر في أشكال جديدة تحمل آثارًا من طبقات سابقة.

 

ومن هنا، ينظر كمال إلى مجال الفن باعتباره فضاءً شبيهًا بـ**«الطِرس» (Palimpseste)**، حيث تتراكم الكتابات والآثار فوق بعضها البعض، ثم يعاد محوها وكتابتها باستمرار.

 

وفي هذا التصور، يصبح العمل الفني نوعًا من إعادة الكتابة الدائمة للعالم، بحيث لا تكون اللوحة أو الصورة مجرد شكل نهائي، وإنما نتيجة لتفاعل الذاكرة والخيال والتجربة الشخصية مع ما راكمته الثقافة من رموز وصور.

 

الخيال.. ما وراء المرئي

أما المحور الثالث، المتعلق بـالخيال، فقد أشار كمال إلى أنه يأتي في امتداد طبيعي لمفهومي اللغة الخفية والذاكرة، باعتباره المجال الذي تتفاعل داخله العلامات والرموز والطبقات الثقافية غير المرئية.

 

ورأى أن استحضار هذه المستويات في قراءة تجربة طوني ماريني يكشف عن مشروع يتجاوز الوصف المباشر للأعمال الفنية، ليبحث في ما تقوله الأشكال بصمت، وما تختزنه من ذاكرة تاريخية وثقافية، وما يمكن أن تستعيده من معانٍ في الحاضر.

 

وفي ختام مداخلته، قدم عبد الرحيم كمال تجربة طوني ماريني باعتبارها مشروعًا فكريًا وجماليًا مفتوحًا، يجعل من الفن مجالًا للبحث في اللغة والذاكرة والخيال، ويعيد النظر في العلاقة بين القديم والحديث، وبين الذات والآخر، وبين الشكل الظاهر والطبقات العميقة التي تمنحه معناه.