حديقة مارجويل.. أيقونة جمالية وثقافية في قلب مراكش
شيماء صلاح
في قلب مراكش، حيث تختلط رائحة التاريخ بنبض الحاضر، لا تُفتح بوابة حديقة مارجويل كحديقة عادية، بل كعالمٍ آخر يُربك الحواس ويأسر الروح. هنا لا تسير بين نباتات صامتة، بل بين لوحات حيّة تنطق بالألوان، وأزرقٍ ثائر كُتب له أن يصبح أسطورة، وصمتٍ أخضر يروي حكاية قرنٍ من الإبداع. حديقة مارجويل ليست مكانًا للزيارة فقط، بل تجربة تُعاش، ودهشة تتجدّد مع كل خطوة، وموعد استثنائي مع الجمال حين يقرّر الفن أن يسكن الطبيعة.
تُعدّ حديقة مارجويل (Jardin Majorelle) واحدة من أبرز المعالم الثقافية والسياحية في مدينة مراكش، حيث تمتزج الطبيعة بالفن، والتاريخ بالحداثة، في فضاء يعكس هوية مغربية منفتحة على العالم. هذه الحديقة ليست مجرد مساحة خضراء، بل قصة إبداع استمرّت قرنًا من الزمن.
النشأة والتاريخ
تأسست الحديقة في عشرينيات القرن الماضي على يد الرسام الفرنسي جاك مارجويل، الذي استقر في مراكش متأثرًا بألوانها وضوئها. صمّم مارجويل الحديقة كعمل فني حيّ، واستخدم لونًا أزرق صار لاحقًا علامة مسجّلة باسم “أزرق مارجويل”.
بعد سنوات من الإهمال، أنقذ مصمّم الأزياء العالمي إيف سان لوران وشريكه بيير بيرجي الحديقة في ثمانينيات القرن الماضي، فأعادا ترميمها وحفظها، لتصبح رمزًا للذاكرة الثقافية المشتركة بين المغرب والعالم.
التصميم والهوية البصرية
تتميّز حديقة مارجويل بتناسق لافت بين: مبانٍ مطلية بالأزرق والأصفر والأخضر. ممرات مائية ونوافير هادئة.
تشكيلة نباتية نادرة تضم الصبّار، الخيزران، النخيل، ونباتات من قارات مختلفة.
هذا التناغم يمنح الزائر تجربة حسّية متكاملة تجمع بين اللون والصوت والرائحة.
البعد الثقافي والفني
تحتضن الحديقة: متحف الفن الإسلامي (متحف مارجويل سابقًا) الذي يعرض قطعًا نادرة من الفنون التقليدية.
متحف إيف سان لوران المجاور، الذي يبرز علاقة المصمّم بمراكش وتأثيرها في أعماله.
وبذلك تتحول الزيارة إلى رحلة ثقافية تتجاوز حدود التنزّه.
الأهمية السياحية والاقتصادية
تستقطب حديقة مارجويل مئات الآلاف من الزوار سنويًا، ما يجعلها من أكثر المواقع زيارة في المغرب. وقد ساهمت في: تنشيط السياحة الثقافية.
خلق فرص عمل.
تعزيز صورة مراكش كمدينة تجمع بين الأصالة والابتكار.
البعد البيئي والاستدامة
إلى جانب قيمتها الجمالية، تمثّل الحديقة نموذجًا للحفاظ على التنوع النباتي في بيئة شبه جافة، من خلال إدارة ذكية للمياه وصيانة دقيقة للنباتات، ما ينسجم مع التحديات البيئية الراهنة.
حديقة مارجويل ليست مجرد محطة سياحية، بل فضاء للذاكرة والإبداع والحوار الثقافي. إنها شاهد حيّ على قدرة الفن على إحياء المكان، وعلى دور الشراكة الثقافية في حماية التراث وجعله متاحًا للأجيال القادمة.


















