تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

وهكذا يعيش العرب "بين حانا ومانا ضاعت لحانا"

احمد المرشد

13-07-2019
خلال الشهر الماضي وبناء علي رغبة القراء وحبهم في التغيير من السياسة الي مقالات تدخل البهجة والمعلومة الي نفوسهم ومزاجهم وتغييره من حالة السياسة الي الاستراحة، كتبت عدة مقالات غير سياسية إلا أن مجريات الأحداث السياسية تفرض نفسها أحيانا إذ تابعنا خلال الفترة الماضية أحداثا جساما مرت علي عالمنا العربي وتمر عليه كل يوم، بدءا من سلطنة عمان بمضيق هرمز وما قامت به إيران حسبما ورد من تأكيدات بضرب ناقلات تحمل النفط السعودي. ثم يخرج علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستفزازاته المتكررة حيث لم نر منه سوي جعجعة كبري وصوتا مدويا ولكننا لا نري طحنا.  ووسط هذه الغيوم، تطل علينا هذه المرة الدويلة قطر التي تواصل محاولاتها البائسة الي تفتيت الوحدة الخليجية بتعنتها ورسمسياسة مغايرة لتوجهات دول المنطقة وما شاهدناه مؤخرا ببث سموم وادعاءات ضد مملكة البحرين مما اضطر المنامة الي إصدار بيان من مجلسي الشوري والنواب يؤكد رفضهما لهذه الانتهاكات. تساءلنا من قبل وسنظل نتساءل: الي متي ستبقي دويلة قطر مصدرا لبث سمومها وإدعاءاتها من قبل من يسير حكومتها من الإخوان أو من قبل أعداء الأمة العربية قاطبة؟ والي متي ستظل الدوحة رهينة لعقل وتوجهات غيرها؟  وتحملنا الأحداث الي ما يجري في العراق وانتهاك واحتلال سفارة مملكة البحرين بمساندة قوي إيرانية، الي أحداث سوريا القديمة الحديثة التي يبدو أنها لن تصل الي حلول في القريب العاجل.
 
 
 
واستمرارا لحالنا المائل، ننتقل الي المغرب العربي الذي يشهد توترا بتونسه وجزائره وليبيا، ولكن قبلهما نعرج علي  السودان قليلا ونحمد الله أن توصل المجلس العسكري وقوي التغيير والعدالة الي اتفاق أخيرا بتقاسم السلطة خلال فترة انتقالية، لتنتهي فترة شكوك طويلة بين الطرفين وليعود الاستقرار الي السودان علي الأقل في الوقت الراهن بعد أن تملكن االيقين بأن هذا البلد الشقيق ذاهب الي ما لا تحمد عقباه. ونتمني أن يلتزم الطرفان – قوي الشعب والجيش – بما تعهدا به والخروج بالسودان من عنق الزجاجة ليبدأ مرحلة جديدة من العيش بسلام وآمان افتقدها علي مدي الثلاثين عاما الماضية.
 
 
 
ونبدأ بليبيا وتدخل الأتراك هناك وماصدر من الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ضد الانتهاكات التركية للأراضي الليبية، فتركيا لن تستكين أو تهدأ إلا بتنفيذ مقررات "الأخوان المسلمين" بالتوغل في عالمنا العربي، وتعد ليبيا حاليا أبلغ نموذج علي الغرور والصلف التركيين، فلا أحد ينكر حقا لشعب الليبي في التوجه الي مجلس الأمن الدولي والتوجه بمذكرة شديدة اللهجة ضد التوغل العسكري التركي في أراضيهم. المثير في الأمر أن النظام التركي تمادي في غيه ورأيناه يهدد بالانتقام من الجيش الليبي عقابا علي إسقاطه طائرة عسكرية تركية بدون طيار،  وزعم جاويش أوغلو وزير خارجية تركيا أن  حفتر يعادي بلاده لأن أنقرة تدعم الطرف المحق في الصراع الدائر في ليبيا. ونصل لقمة التعنت التركي عندما يحذر أوغلو الجيش الليبي من مغبة اختطاف مواطنين أتراك مرة أخرى! أما وزير الدفاع التركي خلوصيآكار فيحذر هو الأخر بأن أنقرة ستنتقم من أي هجوم واقع على مصالحها من جانب قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وأن الثمن سيكون باهظا للغاية ضد أي عمل عدائي من طرف الجيش الليبي "سننتقم بأكثر الطرق فعالية وقوة". ويواصل المسؤولون الأتراك كلامهما لممل زاعمين أن جهود تركيا في ليبيا تسعى إلى المساهمة في السلام والاستقرار في المنطقة.
 
 
 
المثير للدهشة أن الجانب التركي لميستح فعلا مطبقا المثل العربي "إن لم تستح فافعل ما شئت"، وبحسبة سياسية بسيطة نقول إن لتركيا مصالح اقتصادية جمة تجعلها تتورط في الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا إذ تعتبر مسألة نجاحها هناك  حرب حياة أوموت لها، فهي تحافظ علي مصالحها الاقتصادية التي اكتسبتها منذ عهد العقيد معمر القذافي حينما تمتعت الشركات التركية بأفضلية خلال فترة حكمه ولكن مع اشتعال الحرب الأهلية تراجعت المكاسب بعد أن خسرت ليبيا أهميتها الاقتصادية.. ولكن كل هذا لا يجعلنا ننسي أن ليبيا وتركيا بلدان متوسطان، وأن أنقرة بدأت مواخرا عمليات تنقيب ضخمة عن الغاز والنفط في المنطقة الشرقية من البحرالمتوسط. وبالجانب الاقتصادي، لا تزال تركيا تقف بجوار "الأخوان المسلمين" أينما كانوا، وهم قطعا ينتشرون في ليبيا وينالون دعما  تركيا كبيرا إذ تقدم لهم أسلحة بالمخالفة لقرار مجلس الأمن، وهو ما جعلا لليبيين يتقدمون بشكوي رسمية لمجلس الأمن ضد التصرفات التركية التي تقدم أسلحة مختلفة للميليشيات المتحاربة هناك.
 
 
وطبيعي أن يقود الدعم التركي المالي واللوجستي والتسليحي لبعض الأطراف الي إطالة أمد الحرب الأهلية والإخلال بتوازن القوي بين الأطراف المتنازعة في ليبيا، فلولا هذا الوجود التركي لما استمرت الميليشيات المسلحة حتي الآن ولكان في استطاعة الجيش بقيادة خليفة حفتر بسط سيطرته في فترة وجيزة. ولكن تركيا تريد استمرار ليبيا مقسمة بين أكثر من قوة علي الأرض حتي تستميل القوة الأكثر هيمنة وتأخذ منها كل ما تستطيع من نفط ومكتسبات اقتصادية، وبالتالي فإن استمرار الدعم التركي لحكومة طرابلس سيزيد من حالة الاحتقان بين العاصمة وبقية الولايات.
 
 
 
ولا زلنا في منطقة المغرب العربي وتحملنا الأحداث الي تونس الخضراء والأزمة الصحية التي ألمت بالرئيس قائد السبسي وأحداث الشغب الأخيرة، إلا أن الشعب التونسي الواعي بمجريات الأمور وما تفعله الغربان في بلادهم استطاع بحكمته السيطرة علي هذه الأحداث، وكلنا يعلم حالة التسيب التي أعقبت نبأ مرض الرئيس التونسي ونقله للمستشفي إثر تعرضه لوعكة، زاعم ينوقوع تونس في حالة فراغ دستوري. وقد استغل دعاة الفتنة – وهم ينتشرون في كل بلد عربي بالمناسبة – مسألة تأجيل انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية التي تقرر شغور منصب رئيس الجمهورية والزعم بأن هذا سيقود البلاد الي كارثة، في حين تناسي هؤلاء أن "الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين"  قد حلت  محلال محكمة الدستورية. كما أن الدستور التونسي ينظم عملية تبادل السلطة حال فراغ منصب الرئيس، إذ يحل محله رئيس البرلمان، كما يمكن تكليف رئيسا لحكومة كذلك بمهام رئيس الدولة في حالتين.
 
 
 
ومن تونس الي الجزائر التي رفض شعبها سياسة حكامها السابقين وتولي رموز السلطة القديمة القيادة، لتستمر النتيجة "صفرا" حتي وقتنا الراهن إذ تستمر الأزمة مفتوحة وكذلك حالة الحراك المستمر بين قوي الشعب من جهة والجيش من جهة أخري رغم أن القوتين اشتركتا معا ونجحا في أزاحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وإرغامه علي الانسحاب من السباق الرئاسي،  ولهذا نقول إن الحالة ضبابية حتي الآن والجهل بالمستقبل هو سيد الموقف، فالنتائج السياسية لا تزال بعيدة المنال مع رغبة الشعب في التخلص من كلا لوجوه القديمة خاصة أن الجيش هو الجهة الأقوي ولذا فهو من يدير اللعبة ولكن يكتب للطرفين – الشعب والجيش– رغبتهما الصادقة في التطلع الىمستقبل من خلال فتح صفحة جديدة، ولهذا دخل الجيش في معركة صعبة وصفها الجزائريون بأنها "معركة تكسير العظام بين أجهزة المخابرات".
 
 
 
ونتمني أن تنجح مبادرة الرئيس الجزائري المؤقت عبد القادر بن صالح للخروج من مأزق الفراغ الدستوري الحالي الذي تعيش فيه الجزائر من خلال حوار تقوده شخصيات وطنية مستقلة تحظى بالشرعية وبمشاركة المؤسسة العسكرية. ويكمن التحدي في عدم التوافق التام بين كل أطياف قوى المعارضة علي بلورة مطالب شعبية موحدة ومتطابقة تلتقي بها مع السلطة على طاولة الحوار للخروج بحل يرضى كافة الأطراف الجزائرية.
 
 
 
أحداث جسام تمر علي الأمة العربية التي اعتقد أنها لم تمر بكل هذه المجريات خلال فترة واحدة، والسبب هو فرقتنا وعدم جديتنا في اتخاذ القرار، مؤتمرات وقمم تعقد هنا وهناك ويتم التأكيد فيها علي الوحدة العربية ولكننا كشعوب نتساءل: أين هذه الوحدة ولماذا هذا التشرذم الذي يكاد يقسمنا الي كان تونات كثيرة ويسهل من بعدها احتلالنا، رغم كلمة احتلال – هذه – قديمة لأننا محتلون من قبل السياسات الأمريكية والأوروبية وغيرهما. فالعرب يعيشون حالة من الابتزاز، فسبق أنا بتزهم سياسيا المدعو باراك أوباما وزعم أنه يناصر قضايا العرب في حين سلم رقابهم الي إيران، وها نحن نري ابتزازا من نوع آخر، ابتزاز تجاري من رجل رجل لا يعرف قيمة سوي للمادة، رئيس يبتز العرب بالترهيب والتخويف، فيبتزهم ماليا واقتصاديا من خلال ترويعهم بإيران، هذا هو الابتزاز بعينه، فهل قدر لنا نحن العرب أن نعيش هكذا، كل من يأتي علي عرش الولايات المتحدة يبتزنا؟ هل لأنها هي الدولة العظمي، فقد جاء بوش الأب والابن وقبلهم كثيرون من الرؤساء وبعدهم، كل هؤلاء الرؤساء أتوا الي الحكم وابتزوا العرب ابتزازا كبيرا.. لا  أعرف هل نحن لا زلنا مغيبين؟ أم أصبحنا كالمثل الشعبي "بين حانا ومانا ضاعت لحانا".
 

مقالات احمد المرشد

المزيد

أراء

إستطلاع رأي

هل حققت المشروعات الوطنية والبنية التحتية نجاحا إقتصاديا مؤثرا؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية