تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

مي زيادة.. وقصص حب نادرة في زمننا الحديث

احمد المرشد

7-07-2019
بعد حديث الروح الذي شدت به أم كلثوم والغناءالعراقي الذي تحدثنا عنه ذو النكهة المتفردة منالطرب وقصة حب ميحانه الخالدة وحكايات الحزنوالشجن في أغاني ما بين النهرين وطربهم الشجي، نعرج اليوم الي قصة حب الزمن الحديث أو قصةالأديبة مي زيادة، بنت الناصرة شمالي فلسطين التيتركتها طفلة متوجهة وأسرتها الي لبنان حتي صارتشابة جميلة لتكون القاهرة مقرها الأخير ومنها عرفهاالمثقفون والنخبة وعاشوا في صالونها الأدبي الذيكان يعقد الثلاثاء من كل أسبوع، ومن هؤلاءالمثققين من أحبها وكتب فيها شعرا وغزلا وأرسل لهاما يكنه قلبه لها ليتلقي هو الأخر ردها الذي يحتفظبه التاريخ كتراث ثقافي وأدبي في علم رسائلالغرام..وإذا كان هناك من أحبها وذاب فيها عشقاحياة وقولا، فالبعض لم يجرؤ حتي بمصارحتها خوفامن أن يكون مصيره عدم  التأنس برؤيتها فيصالونها الأدبي، وفوق كل هذا فأديبتنا ذو المقامالكبير لم تكن مجرد شاعرة ومثقفة وأديبة ولكنأيقونة متحركة من الجمال حتي إن همسات دارتهنا وهناك عمن كان يهيم بها عشقاً بخياله.. بيد أنهاآثرت أن تقضي حياتها حبا عذريا مع الجميع وأنيروها نجمة في السماء عالية وليس جسدا ينبضبغير الحب.
 
 
كثيرون أحبوا وعشقوا مي زيادة ولكن جميعالمقربين منها قالوا إنها لم تحب سوي الغائب البعيدعنها ألاف الأميال، فهي في القاهرة وهو فينيويورك، عاشت مي كمن تناجي نفسها قائلة" قلبيينفطر هنا وهو يحيا هنا"، حب تفصله المسافاتالشاسعة وعدم اللقاء، حب جمع بينهما عبر لغة رقيقة عبر قلبيهما عنها برسائل ظلت متبادلة بينهمانحو عشرين عاما حتي مات جبران قبل مي بسنوات،فجبران خليل جبران كان الحبيب والخليل والعشقلكن بدون رؤية فعاشت معه بخيالها، وإن جاء بعده بمسافة طويلة محمود عباس العقاد الذي بث حبهلمي وبادلته الرسائل، رغم أن المقربين منها استبعدواهذا الحب ووصفوه بحالة نفسية لا ترقي للحب وإنماصداقة قوية.
 
 
 
وبجانب حب مي وجبران، جمع بينهما كتاب واحد"بين المد والجزر" من تأليف الحبيبة ورسوماتالحبيب، وكان حبهما نموذجا من التفاهم بينهماوامتدادا للحب العذري الذي جمع الأولين من العربأمثال  قيس وليلى وجميل وبثينه وغيرهم، ووصفتمي حبها لجبران بـ"الحب السماوي" فهي اعتبرت هذاالحب أمر سماوي لا يجوز رفضه أو العزوف عنهبرغم عدم اللقاء أبدا. وكانت رسائلهما لا تنقصهاالشرح والتفسير، فهي ليس قصائد وأشعار تتطلبمعاني كلمات، فهي سهلة كالحب نفسه ولذيذةكطعمه ورقيقة كعذوبته. ولم تكن رسائل مي وجبرانسوي مواثيق حب نقي لم يحدث مثله بين بشر.  فحب مي وجبران ليس سوي حلم انتظر صاحبه أنيتحقق ليكون حياة حقيقية، فالحلم طيف يطوفبخيال صاحبه ولكنه لا يستطيع الامساك به، ولكنمي وجبران عاشا الحلم وتجولا به وغازلا قلبيهمابسحر العيون، فالحلم تسلل واستقر وعاش في القلبوامتلك الروح فكان الوجد والهوي والوجدان. فكتبتمي الي روحها الكائنة بأمريكا أجمل الرسائل وأعذبهاوأشجنها عاطفة، ومنها رسالتها في 15 يناير 1924:
 
 
 
جبران! لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمةالحب، أن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب، ينمّيالحب في أعماقهم قوه ديناميكية رهيبة، قد يغبطونالذين يوزعون عواطفهم، لأنهم لا يقاسون ضغطالعواطف التي لم تنفجر.  ويفضّلون تضليل قلوبهمعن ودائعها، والتلهي بما لا علاقه له بالعاطفة. يفضلون أي غربه، وأي شقاء (وهل من شقاء وغربهفي غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطراتالشحيحة..ما معنى هذا الذي اكتبه؟ إني لا أعرفماذا أعني به! ولكني أعرف إنك "محبوبي"، وإنيأخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل منالحب كثير. الجفاف والقحط واللا شيء بالحب خيرمن النزر اليسير، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا؟وكيف أفرّط فيه؟  لا أدري. الحمدلله اني اكتبه علىورق ولا أتلفّظ به، لأنك لو كنت حاضرا بالجسدلهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمنا طويلاً،فما أدعك تراني الا بعد أن تنسى. حتى الكتابة ألومنفسي عليها أحيانا، لأني بها حرة كل هذه الحرية. قل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى. فإني أثق بك،وأصدق بالبداهة كل ما تقول! وسواء كنت مخطئةفان قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظلحائما حواليك، يحرسك ويحنو عليك..غابت الشمسوراء الأفق، ومن خلال الأشكال والألوان، حصحصتنجمة لامعة واحدة هي الزهرة، أترى يسكنها كأرضنابشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وُجد فيها من هيمثلي، لها جبران واحد، تكتب إليه الآن والشفق يملأالفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النوريتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبعالليل مرات كثيره قبل أن ترى الذي تحبه.  فتتسربإليها كل وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقيالقلم جانبا لتحتمي من الوحشة في اسم واحد :جبران !
 
 
 
 لعل هذه الرسالة هي من أكثر رسائل مي لجبرانتعبيرا عن حبها وحيائها، فهي جمعت المرأة الجريئةالتي لم تخف حبها ولكنها في نفس الوقت لا تستطيعالبوح به سوي علي الورق وليس وجها لوجه، فحياءالمرأة الشرقية لم يبارح شخصية مي رغم تحررهابخلاف تقاليد الزمن الذي عاشت فيه، إذ أن زمانهاوعصرها ووقتها فرضوا عليها الحياء.
 
 
 
 ثم يأتي رد جبران خليل جبران الي مي من نيويوركفي 26 فبراير 1924:أحب الثلج وأحب النار، وهمامن مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوىشكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع. ماألطف من قال: "يا مي عيدك يوم..وأنت عيد الزمان".انظري يا محبوبتي العذبة إلى قدس أقداس الحياة،عندما بلغت هذه الكلمة "رفيقة" ارتعش قلبي فيصدري، فقمت ومشيت ذهابا في هذه الغرفة كمنيبحث عن رفيقة. ما أغرب ما تفعله بنا كلمة واحدةفي بعض الأحايين! وما أشبه تلك الكلمة الواحدةبرنين جرس الكنيسة عند الغروب! إنها تحول الذاتالخفية فينا من الكلام إلى السكوت، ومن العمل إلىالصلاة..تقولين لي إنك تخافين الحب. لماذا تخفين ياصغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مد البحر؟أتخافين مجيء الربيع؟ لماذا يا ترى تخافينالحب؟..أنا أعلم أن القليل من الحب لا يرضيك، كماأعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولننرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كلَ شيء.نحن نريد الكمال. أقول يا ماري إن في الإرادةالحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلا من أظلال الله،فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله..لاتخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقةقلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألموالحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباسوالحيرة. اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن منالرغائب، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت. وأنااليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة،فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرجإلى نور النهار وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسرهذه القيود فنسير حرين طليقين نحو قمة جبالنا؟.ويختتم جبران رسالته : والآن قربي جبهتك. قربيجبهتك الحلوة – والله يباركك ويحرسك يا رفيقةقلبي الحبيبة.
 
 
 
تقول الروايات أن مي زيادة عاشت محبة فقطلجبران وتوفيت وحبها يسكن قلبها إذ ارتبطت بهروحيا، فكان حبها حبا فريدا وصفوه بأنه "حبصوفي" تخطي حدود الزمان والمكان والحواس اليعالم من الهوي والوجد، فمي عشقت جبران بكلحواسها وقلبها وغارت عليه من بنات أمريكا.  وهيالتي قالت في إحدي رسائلها:جبران (خليل جبران) ..سحرني بلغته وسحره المدوخين، كان يريدني قريبةمنه بينما هو في جزء مني لكني رفضت أن أكونمجرد رقم في حديقة نسائه.. لو قادني القدر نحوذراعي جبران كنت طحنته بغيرتي وافترقنا بسرعةبشكل بائس وحزين وحقد لا يُمحى. نعم أنا سيدةالأقدار الحارقة، ورجل نشأ في الحرية ومات فيها لايمكنه أن يدرك حرائقي مهما تواضع معي، كان سنديوصديقي وأخي الذي لم تلده أمي وحبيبي الأخروموته دمرني.
 
 
 
ويقودنا كلام مي  الي روايات البعض أيضا عنعاشقيها من أدباء مصر الذين أحبوها وذابوا فيهاعشقا، ومنهم من باح ومنهم من أثر السلامة فيإخفاء حبه وغرامه، ومن الذين باحوا بحبهم محمودعباس العقاد، فرسائله لمي تؤكد أن الحب جمع بينهماوعصف بقلبيهما، كما أشارت كتاباته وقتها اليعبارات الشوق والحنان والحب والأمل. فالعقاد أولمن حظي بفرصة الخروج مع مي، فقد دعاها للسينمافقبلت دعوته بعد  قبول شرطها بالذهاب الي سينماالكنيسة، وكانت هذه أول مرة تخرج فيها مي بصحبةصديق لها وتقضي معه وقتا في السينما. ونال العقادمن مي زيادة ما لم ينله غيره، فهي عرفت بشحقبلاتها لمن أحبوها، ولكن العقاد نال قبلة على جبينها،أو قبلة على جبينه. يعترف العقاد نفسه بأن ميزيادة لم تحب جانب السياسة والعنف في شخصيته،فهي أحبت العقاد  الأديب، الكاتب، الشاعر، ولم تكنتحب العقاد السياسي، وحاولت أن تقنعه بترك الكتابةفي السياسة خشية عواقب عنف حملاته علىالحكومة وخصومه وأن يجره هذا للسجن وكثيرا مارجته في أسلوب رحيم رقيق وأن يخفف من غلوائه،وألا يهاجم خصومي، حتى لا يلقوا به في السجن،وتتعرض حياته للخطر.
 
 
 
ولعل التناقض الكبير بين العقاد وجبران هو السببفي تفضيل مي للأخير رغم بعاده عن الذي يعيشبقربها في مصر، فمي زيادة شخصية مسالمة، رقيقة،لطيفة مثل جبران الرومانسي، هادئ الطباع جبرانالذي خلب لبها بأفكاره المتحررة التي صقلتها بيئةالمهجر. بعكس شخصية العقاد العنيفة الثائرة مماأعاق علاقتهما، بهذا بخلاف رغبة مي في أن تحيطنفسها بالمعجبين والعشاق، ليحوموا حولها كالكواكبحول الشمس، فمي زيادة لم تكن  في عجلة منأمرها للارتباط الأبدي برجل واحد قد يقيدها أويخيب ظنها، وسط كل هؤلاء العشاق، وكان هذا سببافي اعتراف نادر لها بتعمدها إثارة غيرة من حولهابثقافتها وأدبها ورقتها، وكان العقاد من بين المتأثرينبهذا وأثرت في نفس العقاد أيضا ولم تخدم علاقتهبها. ولم تكن مي تجهل أن العقاد يحترق غيرة عليها،ولطالما استمتعت  بذلك مثلما أكدت له في إحديرسائلها وهي في المانيا 30 أغسطس 1925: "لاتحسب أنني اتهمك بالغيرة من جبران، فإنه فينيويورك لم يرني، ولعله لن يراني، كما أني لم أره إلافي تلك الصور التي تنشرها الصحف". وتتواصلالرسالة:"ولكن طبيعة الأنثى يلذ لها أن يتغاير فيهاالرجال وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها!أليس كذلك؟! معذرة، فقد أردت أن أحتفي بهذهالغيرة، لا لأضايقك، ولكن لأزداد شعورا بأن لي مكانةفي نفسك، أهنئ بها نفسي، وأمتع بها وجداني…".
 
 
 
ولكن في النهاية، وجد العقاد المحافظ - المتعصبلأفكاره - نفسه أمام امرأة متحررة، مستقلة بأفكارها،فهي دائما محاطة بمجموعة من كبار الأدباءوالمفكرين، حاضرة معهم بجسدها، غائبة عنهم بقلبهاالذي تعلق بجبران المتحرر الذي يعيش بعيدا معنسائه في آخر الدنيا. ولكنه – أي العقاد – لميستسلم لحب مي لجبران فما كان منه إلا أن شغلهابرسائله مثل تلك التي أرسلها لها من مصيف راس البرعلي البحر المتوسط، وبث فيها أشواقه وتغزله فيقديسته كاتبا:
 
 
 
 يا نجمة اليم ونور الأوان – أشرقت, فليشرق عليناالآمان
 
أنت الهدى يا (مى) فى لحظة – البحر فيها والدجىحاكمان!
 
لو لم تكونى ملكا حارسا – يحوطنا فى كيد هذاالزمان
 
ما سار فينا - يوم فارقتنا – شيطانه الباغى طليقالعنان
 
فاليوم إذ أقبلت لا خوف من – كيد الشياطين وأنتالضمان
 
 
 
وفي رسالة غير تقليدية، اعترف العقاد بحبه لميريم– معني كلمة مي أي نجمة البحر – قال فيها:
 
 
 
يا مى يا مى ذاك اسم أو نمه\تغنى حلاوته عن كلتلقيب
 
كجوهر فى يد اللآل قد نفست\به أنامله عن كلتركيب
 

مقالات احمد المرشد

المزيد

مقالات

أراء

إستطلاع رأي

هل حققت المشروعات الوطنية والبنية التحتية نجاحا إقتصاديا مؤثرا؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية