تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

معنى أن نكون شركاء أقوياء في هذا العالم

احمد المرشد

11-05-2019
ربما أبدأ بتساؤل عن مدى أهمية التنمية في الإنسان؟ والإجابة ليست صعبة، بل هي السهل الممتنع، فتدشين المشروعات العملاقة تعد قيمة مضافة للإنسان والمجتمع والدولة. وقد تدعونا هذه الإجابة الى ضرورة الانصراف عن الحروب التي تدمر الإنسان والمجتمع والدولة، وأن تجتهد الدول في التنمية في الإنسان وليس استهلاك طاقاتها وقدراتها في الحروب والخلافات وتكوين ترسانات أسلحة ضخمة وصرف أموال الشعب على الترسانة الحربية. ويجرنا هذا الكلام أيضا الى التحذير من ألاعيب الدول الكبرى التي تدفعنا دفعا الى التحارب فيما بيننا وتثير الفتن لنظل مستوردين للأسلحة المختزنة في مصانعها، فمن مصلحة الغرب دائما أن نظل هكذا في خلافات مستمرة، لا تطبيع للعلاقات بيننا، ومن مصلحة الغرب أن تظل مصانع أسلحتهم تعمل بكامل قوتها لكي تبيع لنا منتجاتها الفتاكة طالما ظلت الحروب في منطقتنا، ويكفي أن تكلفة حروب ما بعد الانتفاضات العربية في عام 2011 قد تصل حاليا لنحو تريليون دولار، ناهيك عن شتات الإنسان العربي ما بين لاجئ ومهاجر ومشتت بلا دولة أو وطن حاضن، وما أدرانا، هذا الإنسان الذي أصبح فجأة لاجئا قد يعود إلينا إرهابيا وناقما لما تحمّلته نفسيته من صعاب ومآسٍ في عالم الغربة والتغريب.
 
 ولكن من حسن حظنا نحن شعوب بعض الدول العربية أن قادتنا فطنوا الى خطورة هذه الألاعيب الغربية والأمريكية وأدركوا مبكرا كيف نتفادى الفتن على المستويين المحلي أو الوطني أولا، ثم الإقليمي ثانيا، فلم تعد هناك أي قوى إقليمية قادرة على جرنا الى حرب من دون استعداد وتهيئة عسكرية، فقد أصبح الهم الأول لقادتنا هو تدشين المشروعات العملاقة والتنمية في الإنسان.
 
 وأمامنا الطفرة التي يشهدها القطاع العقاري بالبحرين الذي يشهد نموا متسارعا، إذ تعمل الحكومة على دعم البنية التحتية والتشريعات من أجل جذب مزيد من الاستثمارات في مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع العقار، خاصة أن المؤشرات الاقتصادية تظهر مرونة في هذا القطاع، كما تعكس الطلب المتزايد على العقار السكني، ليس في البحرين فقط بل في جميع أنحاء المنطقة. ونذكر هنا أن البحرين تنفذ حزمة من مشاريع البنية التحتية الكبيرة تمتد عبر مجموعة من القطاعات، بقيمة إجمالية تتجاوز 32 مليار دولار، والتي ستدعم النمو في سوق العقارات.
 
 وإذا استشهدنا بمصر، فهي تشهد تقدما اقتصاديا تقر به المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، بعد أن تعثرت لفترة طويلة نتيجة أحداث ليست خافية على أحد، فقد سنت القيادة السياسية بمصر سياسة مهمة جدا، وتبنت فلسفة ترتكز على رؤية وأهداف واضحة وشاملة وفق عدة محاور ومسارات متوازية ومتكاملة، وأدركت في الوقت نفسه أن التنمية الشاملة والمستدامة لا تأتي سوى بإحداث نهضة اقتصادية عبر تأسيس المشروعات العملاقة التي تعد الأساس لتحديث الاقتصاد وزيادة الإنتاج. كما أدركت القيادة المصرية أن الحروب تدمر الاقتصاد والشعوب ولا تبني مجتمعا صحيا قويا، فكانت الرؤية البديلة وهي تبني مسار التنمية في الإنسان، لتختار مصر مكانة متميزة في الخريطة الاقتصادية على مستوى العالم، بعد أن تمكنت من إجهاض الإرهاب بصورة كبيرة وتحجيمه والسيطرة على مناطق الحدود.. وقد رأينا كيف استفاد المصريون من تلك الطفرة التنموية، فكانت النهضة الشاملة والمشروعات القومية العملاقة التي تكلفت نحو 8 تريليونات جنيه، الأمر الذي يستفيد منه المواطن المصري في المقام الأول. فإقامة أي مشروع أو مصنع جديد يعود بالنفع على الشباب؛ لأنه يفتح المجال للتشغيل وتوفير فرص عمل جديد، وبالتالي ينخرط الشباب في معركة التنمية والبناء وليس التفجير والتدمير كما يدعو شيوخ الشر.
 
 وإذا انتقلنا الى السعودية فتشهد تزامنا مع رؤية 2030 عملية ابتكار وتطوير مشروعات متميزة في جميع أرجاء البلاد، لخدمة الوطن والمواطن وتعزيز مكانة السعودية وجهة سياحية، ترفيهية، تجارية وصناعية متميزة في المنطقة، فتعمل جميع الجهات المعنية بخطى ثابتة متسارعة لإنهاء 80 مشروعا تقريبا، في مجالات مختلفة، لتصبح المملكة معلما حضاريا بارزا ومركزا مهما لتلبية رغبات واحتياجات جيل المستقبل. ويأتي مشروع نيوم على رأس هذه المشروعات، والذي سيصبح الوجهة الحضارية الجديدة للسعودية. ويهدف المشروع الى إنشاء نموذج عالمي في مختلف المجالات، ويطمح إلى أن يكون أحد أهم العواصم الاقتصادية والعلمية العالمية، من خلال التركيز على الصناعات والتكنولوجيا المتقدمة في بناء وتطوير المشروع، مع استخدام الروبوتات للعديد من الخدمات والطاقة التي يتم توليدها من الرياح والطاقة الشمسية فقط، فضلا عن تطوير السيارات ذاتية القيادة والطائرات من دون طيار، بالإضافة إلى تطبيق مفهوم الزراعة المائية أو الهوائية لتوفير الغذاء.
 
 لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن القوى الغربية عملت على تعطيل مسيرة التنمية في دولنا ومنطقتنا، وإن كنا لا نلومها في هذا مائة في المائة؛ لأن المسؤولية تقع علينا أيضا والوقوع في هذا الفخ الذي نصبوه لنا، فالأمم لا تبنى بالشعارات والأماني، بل بالجهد والعمل والمثابرة وإدراك أهم عنصر ومكمن القوى في المجتمع والوطن، وهو الشباب، فتأهيلهم أمر ضروري للإسهام في عملية البناء والتقدم وتطوير قدرات الوطن الصناعية والاقتصادية ليسجلوا دورهم المطلوب في مسيرة الحضارة، علما بأن الحضارات الإنسانية قامت تاريخيا على سواعد أبناء الوطن الذين يسهمون بفكرهم وجهدهم فى إعلاء شأن أوطانهم. ولكن للأسف نرى حاليا في بعض الدول العربية يتم الزج بالشباب في أتون حرب مهلكة ماليا ومجتمعيا بدلا من الاستفادة بتلك السواعد الفتية في بناء الأوطان.
 
 إن مسيرة التنمية صعبة وليست أمرا هينا، فأمامنا نموذجان مهمان نبني عليهما كيف نهضا من كبوتهما ليحققا أعلى معدلات التنمية والانتاج والتقدم الاقتصادي في العالم، إنهما اليابان وألمانيا، فقد خرجتا مهزومتين ومحطمتين في الحرب العالمية الثانية، ويكفي أن الشعب الألماني عاش بين الأنقاض والأهوال لفترة طويلة حتى حقق معجزة اقتصادية بكل تأكيد، ولم يقل الشعب الياباني عمّا حققه الألمان، فحققا الحلم والمستحيل، بعد تخليهما عن فكرة السيطرة على بقية العالم والتفرغ للبناء والتنمية بدلا من شن الحروب تلو الحروب التي كبدتهم سنوات كثيرة من الضياع وأموالا ضخمة لتمويل تلك الحروب المهلكة التي أخرتهم كثيرا.. لكنهما لم يتخليا عن الأمل ليحققا المستحيل كما أسلفت، فتعلما من الخطأ وقاطعا تماما فكرة الحروب، حتى أن الجيشين الألماني والياباني لم يشاركا في مهمات قوات حفظ السلام الدولية إلا مؤخرا. ثم رأينا كيف كانت الصناعة الألمانية واليابانية محل تقدير من دول العالم كافة، ويكفي أن تقول لشخص إن هذه صناعة أو ماركة ألمانية أو يابانية حتى تحظى بالتقدير والفخر، فما تم في هذين البلدين تم بالاجتهاد والاستفادة من ثورة العلم والابتكارات العلمية، وهو ما يجب أن يكون سلاحنا في معركتنا للتنمية في منطقتها العربية التي تحتاج لجميع سواعدنا الشابة الفتية للنهوض والتقدم والمشاركة في ركب الحضارة الإنسانية.
 
 فنحن قادرون على تحقيق الانجازات والمستحيلات، ولن نقول تاريخنا يثبت ذلك، ولكن أمامنا من النماذج العربية في البحرين والسعودية والإمارات والكويت ومصر ما يؤكد قوتنا وقدرتنا على تطوير قدراتنا على نحو أفضل والتأثير والإسهام بإيجابية فى مسيرة الحضارة الإنسانية.. فالأمم تبنى بالجهد والعرق والتفكير والعلم والأخذ بمكامن القوة المتوافرة لدى الشعوب، وليس بالأماني والشعارات، ومعيار التقدم هنا هو ما يربحه الإنسان في معركة التحدي والنمو، فالإنسان هو رأس مال الوطن الاستراتيجي في عملية بناء المستقبل وتأسيس الحضارة.
 
 وفي النهاية، ليس مهما أن تشهد الدول طفرة اقتصادية سريعة، ولكن الأهم أن يشهد مسار التنمية كل يوم لبنة جديدة في بناء التقدم والازدهار لنكون شركاء أقوياء في هذا العالم الذي لا يعترف سوى بالأقوياء، ولهذا نقول لقادتنا وساساتنا إن الحروب والخلافات لا تصنع الإنسان ولا تعمر البلاد ولا تقود الى استقرار الأوطان، إنما القائد الناجح المحبوب لدى شعبه هو ذلك الشخص الحريص على إدارة عجلات التنمية وبناء المشروعات العملاقة التي تستوعب الأيدي العاملة وتقضي على البطالة وتجذب الاستثمارات، وأمامنا أمثلة كثيرة على ما تشهده بلدان الخليج ومصر من نهضة تسير بهم الى الأمام لتحجز مواقعها المرموقة على الخريطة العالمية.
 
أحمد المرشد
كاتب ومحلل سياسي بحريني
 

مقالات احمد المرشد

المزيد

مقالات

أراء

إستطلاع رأي

هل نجحت حملات المقاطعة في انخفاض الأسعار

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية