تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

قبل أن نودّع رمضان.. دروس من حكايات الفيلة والزلزال وجحا

احمد المرشد

9-06-2018
قبل أيام من شهر رمضان المبارك، ناجينا جميعًا المولى عز وجل بأن يبلغنا رمضان، ثم هل علينا الشهر الفضيل وقلنا «أهلاً»، لتمر أيامه ولياليه المباركة، ليجيء اليوم الذي نتمنى فيه أن يتمهل في الرحيل، فضيفنا الكريم أقبل علينا بعد طول انتظار واشتياق وها هو يقارب على الرحيل، فطوبى لمن صام نهاره وقام ليله. وها نحن نعيش ما تبقى من العشر الأواخر نرصد المنافسات الشديدة بين الفضائيات، حيث تبارت في عرض المسلسلات، منها الجيد الذي يعالج واقع ملموس، وآخر الهابط الذي لم يرقَ الى الذوق العام ولكن للأسف حظيت بنسب مشاهدة مرتفعة، ليس متابعة عادية بل بشغف شديد لدرجة أن هؤلاء تباروا في نقل مشاهد من تلك المسلسلات الهابطة وملئوا بها عالم السوشيال ميديا، وكأن أجهزة التلفاز لم تعد كافية للمشاهدة فأضافوا لها «اليوتيوب» وغيرها من مواقع الدردشة ليشغلوا عقولنا بما يشاهدونه من إسفاف.
 
ولعلي هنا أتذكر أكثر من قصة أرسلها الأصدقاء لي، منها حكاية «الفيلة» وما أكثرهم في رمضان، ولا تتعجبون من عنوان حكايتنا، ولنترك النقاش بعد سرد قصة «الفيلة». وتقول: جلس الإمام مالك بن أنس في المسجد النبوي كعادته يروي أحاديث رسول الله صلي الله عليه وسلم والطلاب من حوله يستمعون له بإنصات.. فصاح صائح: جاء للمدينة فيل عظيم (ولم يكن أهل المدينة قد رأوا فيلاً قبل ذلك، فالمدينة ليست موطناً للفيلة) فهرع الطلبة كلهم ليروا الفيل وتركوا مالكاً إلا طالب واحد هو يحيى بن يحيى الليثي فقط، فسأله مالك: لماذا لم تخرج معهم؟ هل رأيت الفيل قبل ذلك؟
 
قال يحيى الليثي: إنما رحلت لأرى مالكًا وأسمع منه لا لأرى الفيل.
 
انتهت القصة، ولكن بماذا نخرج منها من حكم بعد قراءتها بتروى؟ فجلسة الإمام مالك ضمت الكثير من طلاب العلم، ولكنهم جميعاً باستثناء يحيى الليثي شارك في الجلسات بدون أن يعلموا لماذا يحضرون جلسات العلم مع الإمام الكبير، باستثناء طالب واحد كان يعلم يقيناً لماذا أتى وما هو هدفه؟. فهذا الطالب النابغة لم يشتت ذهنه ولم يذهب عقله مع الآخرين الذين هرولوا لرؤية الفيل وربما كان المنادي كاذباً. ولكن يحيى الليثي لم يتشتت ولم يبدد طاقاته يمنة ويسرة، بعكس أقرانه الذين اندفعوا يشاهدون الفيل، فانظر ما الفرق بين يحيى وأقرانه؟ فالأول حدد الهدف واستعان بالله ليبلغ مكانة عالية بين فقهاء العلم والدين فكانت رواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي عن الإمام مالك هي المعتمد للموطأ، أما غيره من الطلبة المتفرجين فلم يذكرهم لنا التاريخ.
 
ولعل قائل يقول وما هي العلاقة بين حكاية «الفيلة» والإمامين مالك بن أنس ويحيى بن يحيي الليثي وما ذكرناه في بداية الموضوع عن المسلسلات الهابطة؟.. العلاقة سهل رصدها، ففي زماننا هذا يتكرر الفيل، ولكن بصور مختلفة وطرائق شتى وخصوصاً في رمضان، فالناس في هذا الشهر المبارك ينقسمون لنوعين: الأول قد حدد هدفه فهو يعلم ماذا يريد من رمضان وما هي الثمرة التي يتمنى تحصيلها؟.. والنوع الثاني غافل يبحث عن اللهو ويفرط في العبادات إذ تستهويه أنواع الفيلة المختلفة. فالفضائيات فيلة، وكذلك المسلسلات والأفلام الهابطة فيلة، ولم تختلف عنهم الأغاني والغيبة والنميمة وأنواع المحرمات لأنها جميعها فيلة أيضا، وكل من يضيع وقته يدخل في عداد الفيلة، وطبيعي أن تكون مواقع السوشيال ميديا «الفيسبوك، والواتساب، الإنستجرام، يوتيوب وغيرها» فيلة هذا الزمان. فلنحذر كل هذه الفيلة وبريقها لأنها تسلب منا أفضل أوقات العبادة في العام وتضيع أوقاتنا في مالا يفيدنا بل يضرنا، وعلينا أن نحدد طريقنا ونتخذ من فكر الإمام يحيى بن يحيي الليثي طريقاً ونبراساً لنا وهدفاً على الأقل في رمضان، وما علينا الآن سوى الاستعانة بالله ولن نقف عاجزين عن فعل الخيرات ولحاق ما تبقى من الشهر الفضيل كي لا نندم على كل ما فاتنا، وأعلم أن بداخل كل فرد فينا الإرادة الكافية ليحدد طريقه، إما يبقى مع أهل العلم والاستزادة منهم، وإما يسارعون لمشاهدة الفيل القادم، علماً بأن العلم والإيمان باقٍ والفيل كما في الرواية الأصلية لم يأتِ بعد ولكن مجرد ذكر اسمه شغل الطلاب عن الإنصات لإمامهم الكبير.
 
قد يرى البعض في حكاية «الفيلة» تشدداً أو تطرفاً في التفكير، بمعنى تحجيم الخيارات وليس تعددها، فإما مع الإمام لكي تكون صالحاً أو تاركاً له لتكون طالحاً، والخيار متروك للجميع ليحدد مصيره. ومن هنا نضع قصة أخرى للمقارنة مع حكايتنا الأولى. وإذا كان سبب المشكلة في «الفيلة» هو تسارع الطلبة الى رؤية الفيل الذي آتى للمدينة، ففي حكاية الزلزال الذي ضرب اليابان في أبريل 2011، وكان مركزه محطة فوكوشيما النووية التي انهار أحد جدرانها، درساً آخر عنوانه التروي والانضباط. وقد تسبب الزلزال في موت وتشريد الآلاف وخلف العديد من المآسي، غير أن الملفت في هذه المأساة هو تصرف الشعب الياباني بشكل يثير الإعجاب و الاحترام، فقد تميز رد فعله بالهدوء وضبط النفس، فلم يكن هناك صراخ بالشوارع أو نواح وإنما حزن يتسامى.. كما اتسم رد فعل اليابانيين باحترام الطوابير والنظام رغم الظروف الصعبة فلم يكن هناك أي عراك أو سباب أو حوادث عنف، وعندما انقطعت الكهرباء أعاد السكان ما كانوا يحملونه الى الأرفف في المحال التجارية وخرجوا بهدوء.. والمثير أن الجميع لم يتدافع لشراء كافة احتياجاته مرة واحدة، حيث تركوا لغيرهم ما يشترونه من بضائع حتى لا يحدث نقصا بالسلع المعروضة.. ولعل من دلالات ضبط النفس الذي اتسم به اليابانيون، أن الأسواق والمصارف لم تشهدا حالات نهب أو سرقة.. ثم اتسم الإعلام الياباني وقت الزلزال وما بعده بدرجة كبيرة من المسؤولية، فلم يستغل تلك الكارثة لنيل المكاسب السياسية أو مهاجمة الحكومة آنذاك. ثم نأتي الى صفة مهمة وهي التضحية التي كان عنوانها حوالي خمسين عاملاً في المحطة النووية رفضوا أن يتركوا مواقعهم واستمروا يضخون ماء البحر لتبريد المحطة تجنباً لانفجارها رغم المخاطر الواضحة احتمال تعرضهم للموت حرقاً واختناقاً. بالإضافة الى ما سبق، لم تتسارع المطاعم لاستغلال الزلزال، بل خفضت أسعارها تضامنا منها مع المتضررين، وقد أفادت تقارير أمنية أن السكان قد سلمت الشرطة مبالغ كبيرة قد جمعوها من جثث موتى الأنقاض.
 
لم تأتِ كل هذه التصرفات من فراغ، فالمجتمع الياباني لم يكن بهذه السمات منذ حوالي قرن مضى، وإنما اكتسب الكثير منها نتيجة عقود من العمل المتواصل، فقد اسهم التعليم في غرس صفات كثيرة في اليابانيين، كما تعلموا من الحياة سمات جمة منها التدريب والتخطيط، وتم غرس قيم مجتمعية في النشء، واستفادوا من تجارب وأخطاء الآخرين وابتعدوا عن المهاترات التي تضيع الوقت والجهد والمال وتنهك الشعوب دونما جدوى. فقد تعلم اليابانيون كيف يكفون عن الشكوى والتذمر وتبادل الاتهامات فيما بينهم وإصدار الأحكام، وسارعوا الى العمل الجاد ومحاسبة أنفسهم قبل أن يحاسبوا الغير، ليتركوا لنا الدرس لنتعلم أي طريق نسلك.
 
وأختم بحكاية من نوادر جحا وهي خيالية نوعًا ما ولكنها تستحق أن نرويها، وتقول إن جحا فتح ركناً في منزله لإصلاح الساعات، ثم فوجئ برجل يدخل عليه ومعه ديك، ليطلب من جحا إصلاح هذا الديك.. فتعجب جحا جداً وسأله الرجل بتعجب: ألم تعلم مهني فأنا أصلح الساعات ولا شأن لي بالدجاج والديوك؟.. فرد الرجل: أعلم جيداً ما مهنتك ولهذا جئتك. ولم يمهل الرجل جحا فرصة للحوار ليسرد عليه حكايته مع الديك، فقد كان يؤذن كل يوم وقت صلاة الفجر تماماً لسنوات عديدة، لكنه مؤخراً لم يعد يؤذن فجراً، فتارة يؤذن في منتصف الليل و تارة أخرى يؤذن عند الضحى، مما سبب للرجل مشاكل كثيرة. ولهذا السبب جاء الرجل بالديك لجحا كي يعيده الى سيرته الأولى ويؤذن فجراً كما كان عهده به.
 
رفض جحا في البداية الرضوخ لمنطق صاحب الديك ولكن بعد إلحاح منه وافق على استلام الديك ليصلحه. ولكن جحا أضمر في نفسه فكرة بأن يلقن هذا الرجل درساً لن ينساه أبداً باعتباره إنساناً أحمق وجاهلا ولا يدرك حقائق الأمور. وما كان من جحا إلا أن أخذ الديك ودخل به الى بيته فذبحه وطبخه وأكله مع أهله ثم جمع عظامه في إناء وغطاه. ثم جاءه الرجل في اليوم التالي ليطمئن على الديك وإصلاحه، فبادره جحا قائلاً: والله إنك ابن حلال.. وكشف الغطاء عن الإناء الذي به عظام الديك وقال له: ها أنت تدخل عليّ فجأة وتراني أصلح الديك وقد فككت أوصاله وعظامه. ففرح الرجل بكلام جحا وبما رآه بعينه عظام ديكه مفككة، حيث أدرك عن تفكيك العظام يأتي تمهيداً لإعادة إصلاح ما بالديك من عطل في معرفة وقت الآذان. وقد ظل الرجل يذهب لجحا كل يوم ليعيد صاحبنا عليه نفس الرواية وليريه نفس العظام في الإناء، ولا يزال الرجل ينتظر حتى مات ولم يرَ ديكه وقد عاد الى سيرته الأولى، ولا يزال ورثته يتابعون جحا وهو يريهم نفس العظام في نفس الإناء، ويصبرهم كل مرة بكلمة طيبة وإنه مشغول نوعاً ما، ولكن الديك لم يعد ديكاً حتى يومنا هذا.
 
ختاماً.. كم منا كان منضبطاً في هذا الشهر فرصة للاستزادة من العلم والعبادات، ومن لم يحكم عقله ويدرك الأمور جيداً ليهرول لمتابعة المسلسلات.. لدينا «الفيلة» واليابانيون وصاحب الديك، فما نحن منهم؟! مجرد تساؤل بدون أدنى مقارنة بين الاعتدال في التفكير وبين التشدد أو التطرف.
 
كاتب ومحلل سياسي بحريني
 

مقالات احمد المرشد

المزيد

مقالات

أراء

إستطلاع رأي

هل تتوقع إنخفاض الأسعار الفترة القادمة؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية