رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

ستين جاكوبسن: "لو كنتُ رئيساً....."

ستين جاكوبسون

12-06-2016
•    العالم بحاجة إلى صدمة لتنقذه من تراجع معدلات النمو وانخفاض التوقعات
•    الديمقراطية تعاني من تسلّط الطبقة السياسية المتخمة ذات الآفاق الفكرية المحدودة
•    السياسات يجب أن تركز على أهمية المكونات الجزئية أكثر من المشهد الكلي
•    الإنفاق العسكري يعود بمنافع مذهلة وغير متوقعة على صعيد الابتكار
•    السياسات الناجحة تتسم بطابع رصين ومدروس وبالبساطة قبل كل شيء

عدتُ لتوي من أسبوع حافل بكل ما هو مثير للاهتمام زرتُ خلاله أثينا وباريس، العاصمتين اللتين تواجهان مشاكل جمّة كنتيجة للسياسات العقيمة التي تتبعانها؛ حيث شكلت هذه الزيارة جزءاً من أسفاري السنوية لأكثر من 30 دولة حول العالم، والتي لطالما يُطرح علي خلالها السؤال التالي:
"ما الذي قد تفعله لو كنت رئيساً؟"
في الحقيقة، أنا حريص على عدم التهرّب من أي تحدٍ، وقد سعيت على مرّ السنين إلى تطوير "برنامجي" الخاص وصقله بأفضل شكل ممكن. لذا اسمحوا لي بتعريفكم على سياسة "فخامة الرئيس جاكوبسن":
1.    لن أفعل أي شيء على الإطلاق (بالمعنى الحرفي للكلمة) طوال ولايتي الرئاسية.
2.    سأعدل التشريعات بحيث تنصّ على إلغاء قانونين اثنين مع إصدار البرلمان لأي قانون جديد.
3.    سأضع هدف نموٍ صفري للقطاع العام على مدى الأعوام العشرة القادمة (على الأقل).  
4.    سأزيد حجم الاستثمارات في الأبحاث العلمية والشؤون العسكرية كنسبة مئوية من الناتج المحلّي الإجمالي.

هذا هو الملخص بكل بساطة، والآن سأطلعكم على الأسباب الكامنة وراء ذلك.

"لن أفعل شيئاً"
هناك الكثير من الأدلة التي تؤكد على أن البرامج الاقتصادية التي لا يتدخل فيها السياسيون (أي لا يفعلون شيئاً) هي الترياق الأفضل للتعامل مع أي مصاعب وضائقات اقتصادية. والمشكلة في اليونان وفرنسا هي أن النظام السياسي يقف حجر عثرة أمام الشركات وقطّاع الأعمال، في حين أن المؤشرات الكلية في بلجيكا -التي بقيت دون حكومة لمدة سنتين- عكست تحسناً واضحاً خلال الفترة المذكورة.
ونحن هنا نتحدث عن منظومة اقتصادية قائمة على مكوّناتها الجزئية، أي عن الشركات الصغيرة والمعلّمين الطموحين وروّاد الأعمال الطامحين لتقديم منتجات وأفكار وأنظمة أفضل، وذلك لأن تدني النمو الاقتصادي هو ببساطة عبارة عن نتيجة لمنظومة اقتصادية يتم التركيز فيها بشكل كبير على المشهد الكلي دون إيلاء الاهتمام المطلوب للمكونات الجزئية؛ فهناك سوية عالية من التدخل الحكومي وتدخل البنوك المركزية والاقتصاديين، مقابل تركيز محدود على الطلاب والشركات الصغيرة إلى المتوسطة والحوافز والأبحاث الأساسية.
وقد ورد في غلاف صحيفة ’ذي إيكونوميست‘ هذا الأسبوع العنوان التالي "حرّية التعبير تتعرّض للهجوم"، وأنا بدوري أود أن أضيف على هذا العنوان "وكذلك هو حال حرّية التجارة والأسواق والتفكير".

عند النظر إلى تاريخ البشرية، سنلاحظ بأن قوة الأنظمة الاقتصادية تتناسب طرداً مع مدى التوازن بين القوى المتعارضة فيها، ولطالما أدّت محدودية القدرة على فرض الأفكار الكلية في المنظومة الاقتصادية إلى مستويات نمو هائلة.
ومن هنا، سيكون من شأن عدم قيامي بأي شيء أثناء ولايتي الرئاسية أن يحفز المجتمع على لعب دوره في ظل أداء السياسيين الساعين إلى نيل الاهتمام في وسائل الإعلام لأسباب خاصة بهم، حيث يتمحور تركيزهم حول ذاتهم دون تقديم أي رؤية أو معيار حول وجهة البلاد على مدى العقد أو العقدين أو الثلاثة القادمة.

"إلغاء قانونين مع طرح كل قانون جديد"
تمثل البيروقراطية والضوابط الحكومية المشكلة الأكبر في أي دولة، ولا بد من تبسيط النظام القضائي بهدف تحقيق أعلى مستوى من الشفافية والإنصاف وتكافؤ الفرص في أي مناخ قانوني أو اقتصادي؛ حيث ينبغي ضمان الحقوق القانونية الأساسية، وهو ما يقتضي خفض مستوى تعقيدات المنظومة القانونية وليس زيادتها.
وفي هذا السياق، أشير إلى أن دستور الولايات المتحدة الأمريكية ما زال واحداً من أكثر المستندات القانونية تميزاً عبر التاريخ، ولطالما شكل نموذجاً يحتذى به للكثير من الدول. وتجدر الإشارة إلى أن الدستور الأمريكي لا يزيد عن 4543 كلمة بالحرف، أي أنه أصغر من العديد من مقالاتي! إنه واحد من أقدم وأقصر الدساتير المعتمدة من قبل كبرى الدول حول العالم.
وأخيراً، لا بد من الإشارة إلى وجوب أن تشتمل كافة الفقرات والبنود في السياسات العامة على البند الذي يدعى بـ"بند الشمس الغاربة" (sunset provision)، والذي يقضي بإلغاء القانون إذا لم ينجح في تحقيق الغاية المنشودة منه! وألفت نظر قرائي هنا إلى أن هذا القانون يعود إلى الجمهورية الرومانية، حيث كانت قدرة مجلس النواب على جمع الضرائب الخاصة واستخدام القوات العسكرية محدودة كماً وزمناً.
 

"نمو صفري للقطاع العام"
لا أؤمن بفعالية التدخلات بعيدة المدى في طبيعة وبنية المجتمع، ولكن من الجلي بأن الديمقراطية والنمو تتعرضان للهجوم عندما يستفيد أكثر من 50% من السكان من الدخل الحكومي، إذ من الواضح أن هذا الواقع سيعطي حافزاً قوياً لهذه الشريحة المستفيدة كي تقف عائقاً أمام أي تغيير، حتى عندما تكون هذه الحالة سبباً في حدوث خسائر صافية للجميع، بما يشمل الشريحة المستفيدة من الدخل الحكومي ذاتها!
وأشير إلى أن الحراك السياسي الذي شهدناه خلال هذه الأزمة المالية كان صغير الحجم بالمقارنة مع حجم الخسائر في الثروات، إذ تكون الديمقراطية في أسوأ حالاتها عندما يعاني المجتمع من الجمود ويصبح تصويت الأغلبية على "عدم التغيير" الحالة السائدة والمقبولة.
ومن أجل الحد من هذه المشكلة لا بد من خفض حوالات دخل القطّاع العام إلى ما دون 40% على الأقل. مثلاً أقترح اعتماد معيار "المؤشر 100" كمقياس لمستويات النفقات الاسمية هذا العام، وانطلاقاً من هذا المعيار من الآن فصاعداً سيتم حفظ الوفورات التي تم تحقيقها داخل النظام، مما يعزّز إنتاجيته.
وسنلمس تحسناً واضحاً على صعيد المنتجات في ظل القوى المتعارضة للواقع السكاني (ارتفاع التكاليف) من جهة، والرقمنة (انخفاض التكاليف وتحسين إمكانية الحصول على الدخل وتسديد النفقات) من جهة أخرى.

"الأبحاث الأساسية والمجالات العسكرية"
يجب تنمية حصّة هذين المجالين من الناتج المحلي الإجمالي؛ حيث نشهد في الوقت الراهن تدنياً غير مسبوق في مستوى مساهمة الإنتاجية ضمن الناتج المحلي الإجمالي، مع إشارة الدراسات إلى أن الإنتاجية والأبحاث الأساسية مرتبطان بشكل وثيق، وبالتالي فإن إجراء مزيد من هذه الأبحاث والارتقاء بمستوى التعليم سيؤدي إلى تحسّن موازٍ في الابتكار والإنتاجية ومستويات التوظيف (وهو ما يخفّض التكاليف الاجتماعية بطبيعة الحال).
وثمّة قاسم مشترك تتشاطره أغنى دول العالم جميعها، ألا وهو مستويات التعليم التي تفوق متوسط ما تتمتع به بقية الدول، وهذا هو ما نراه في السويد والنرويج والدنمارك وهولندا وسنغافورة وألمانيا والنمسا وكندا؛ حيث تمتاز هذه الدول بأداءٍ رفيع المستوى على الصعيد التعليمي، وبالتالي ليس من المفاجئ أن تمتلك هذه الثروات الضخمة.
أمّا بخصوص الشؤون العسكرية، فقد يكون رأي هذا مفاجئاً، غير أننا بالفعل نحتاج إلى تعزيز قدراتنا العسكرية لجملة من الأسباب، ولعل أهمّها هو أن تحسين هذه القدرات يقلل الحاجة إلى استخدامها.

في الحقيقة، لا شيء قد يحول من اندلاع صراعات أكثر من وجود قوة رادعة، كما أن الإنفاق العسكري يترافق مع سوية عالية من الابتكار والتكنولوجيا، مع العلم أن السبب الأهم على الإطلاق لتعزيز هذه النفقات من وجهة نظر إنتاجية يكمن في كون المجالات العسكرية المنصّة الأفضل لتدريب الجيل الشاب وتعليمه الانضباط وروح العمل الجماعي، والتي تعتبر عناصر فائقة الأهمية على الصعيدين العسكري والمدني لأي دولة.
وأخيراً، أؤكد لكم مجدداً أنني لن أرشح نفسي لرئاسة أي دولة على الإطلاق، ولكن قصدي من هذا الطرح الافتراضي هو التأكيد على أهمية دراسة ورصد كيفية تطور المجتمعات على مرّ الزمان، مع إدراكنا أن وجهة عالمنا المعاصر تتحدد بناءً على الإجماع العام في الانتخابات والاستفتاءات، بما يشمل بطبيعة الحال الرؤساء الذين سيتم انتخابهم على مدى العامين القادمين.
ولا شك أن طبيعتنا هي السعي كي نكون أفضل على الدوام، وأن نتعلم المزيد كي نبلغ أهدافنا السامية ونحافظ على زخم التقدم والنمو.
وأنا من القائلين بأن البساطة هي كل شيء، أو أن كل شيء يتمحور حول "الشفافية" وفقاً لمصطلحاتنا المعاصرة، فنحن البشر غير معدّين كي نتذكر أكثر من ثلاثة أشياء، وبالتالي نحتاج إلى أطر عمل تحدد لنا الحوافز والوجهة المنشودة، وتغطي شؤون الرؤية والإنتاجية والتعليم والبحوث الأساسية.
 وإذا لم نولي هذه الجوانب الاهتمام المطلوب، فإن البديل سيكون الحد من حرية الأسواق، وانعدام الثقة بكيفية توزيع فرص الأعمال وتراجع إمكانيات الانتقال بين الطبقات الاجتماعية، فضلاً عن انخفاض الإنتاجية إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً، مع انحدار غير مسبوق أيضاً في العدالة الاجتماعية، وأعلى مستويات التدخل الحكومي وتدخلات البنوك المركزية قياساً بأي وقت مضى...فضلاً عن الكثير من العواقب الأخرى!
وفي الواقع إن قائمتي بعيدة كل البعد عن الكمال، بل هي تعتبر ساذجة للغاية في عالم يبحث عن حلول كلّية. ولكن في الختام، أقتبس عن ليوناردو دا فينتشي قوله:
"البساطة هي التعقيد المطلق"
 

مقالات ستين جاكوبسون

المزيد

أراء

إستطلاع رأي

هل تتوقع إنخفاض الأسعار الفترة القادمة؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية