رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

زيارة ماكرون للجزائر.. خطوة مهمة نحو تجاوز الماضي الاستعماري والتطلع نحو المستقبل

زيارته الأولى للجزائر والتي وصفت بأنها زيارة "صداقة وعمل" وليست زيارة "دولة". وتستغرق الزيارة عدة ساعات يلتقي خلالها الرئيس الفرنسي بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس الوزراء أحمد أويحيي لإجراء مباحثات حول العلاقات الثنئاية والقضايا ذات الاهتمام المشترك وعلى رأسها الأزمة الليبية والأوضاع في مالي ومكافحة الإرهاب فضلا عند دعم الاستثمارات الفرنسية في الجزائر.
ويرافق الرئيس ماكرون أثناء الزيارة وزير الشؤون الخارجية والأوروبية جان ايف لودريان، ووزير العمل والحسابات العمومية جيرار دارمانيني. وفي اليوم التالي للزيارة، تنعقد بباريس اللجنة الحكومية المشتركة رفيعة المستوى برئاسة رئيسي وزراء فرنسا والجزائر والتي تهدف لدفع العلاقات الاقتصادية بين البلدين وتعزيز الشراكة.
ويشكل ملف مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل ملفا رئيسيا أثناء الزيارة حيث تتداخل فيه المواقف بين البلدين. فمن ناحية تتطلع فرنسا إلى مزيد من التنسيق والتعاون مع الجزائر في هذا الملف، وتحاول الضغط عليها للقيام بدور عسكري أكبر في المنطقة، والمشاركة في عمليات عسكرية مباشرة في شمال مالي. لكن الجزائر تتمنّع لأسباب دستورية، إذ يمنع الدستور الجزائري أي عمل عسكري للجيش خارج الحدود، ولكنها تقوم بدور مهم في هذا السياق من خلال تأمين الحدود، ومنع الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة من التحرك على المناطق الحدودية أو اتخاذها قاعدة خلفية لها.
ومن ناحية أخرى اعتبرت الجزائر أن اطلاق فرنسا وإشرافها على القوة الأفريقية "جي 5" لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل، محاولة لتقليص نفوذها في القارة وهو ما ظهر بشكل ضمني خلال تصريحات رئيس الحكومة الجزائري أحمد أويحيى الاسبوع الماضي في قمة واجادوجو عندما أعلن أن "الجزائر على مدار السبع سنوات الأخيرة قدّمت 100 مليون دولار لصالح دول الساحل"، مشيرا إلى أن "القوى الإقليمية لم تهتم بمعاناة أفريقيا من ظاهرة الإرهاب إلا عند تضرر مصالحها واستهدافها من طرف التنظيمات الجهادية في الآونة الأخيرة"، وهو ما اعتبره مراقبون رسائل ضمنية إلى السلطات الفرنسية، على خلفية ترويجها الدعائي لدعم للقوة الأفريقية "جي5".
إضافة لذلك يمثل ملف "الذاكرة" واحدا من أكثر الملفات الشائكة التي يتوقع إثارتها أثناء الزيارة حيث تتطلع الجزائر دوما إلى اعتراف باريس بالجرائم التي ارتكبت بحق الجزائريين خلال فترة الاستعمار الفرنسي والاعتذار عنها، وهو الأمر الذي يرفضه القادة الفرنسيون على اختلاف انتمائاتهم السياسية. غير أن وصول ماكرون إلى سدة الرئاسة الفرنسية قد زاد من تلك التطلعات خاصة بعدما صرح خلال زيارته للجزائر في فبراير الماضي، عندما كان مرشحا للرئاسة، أن جرائم الاستعمار "جرائم ضد الإنسانية"، وهي التصريحات التي لاقت قبولا واسعا لدى الجزائريين ولكنها أثارت ضجة كبيرة داخل الأوساط الفرنسية.
ولايتوقع أن يلبي ماكرون آمال الجزائريين بالاعتذار عن الماضي الاستعماري، خاصة بعد تصريحاته الاسبوع الماضي أثناء جولته الأفريقية بأنه "من جيل جديد لم تكن له أي علاقة بالماضي الاستعماري"، مؤكدا أن القاعدة بالنسبة إليه هي "عدم الإنكار وعدم تقديم اعتذار"، و"أن ما يهم هنا هو بناء مستقبل مشترك"، وهو ما يعكس رغبة الرئيس الفرنسي في تجاوز هذا العائق التاريخي وطي صفحة الماضي وبدء مرحلة جديدة من العلاقات.
ومن المنتظر أن يعطي ماكرون أولوية للجانب الاقتصادي خلال الزيارة، فالجزائر تعتبر شريكاً اقتصادياً مهماً لفرنسا فهي تمثل إمكانات اقتصادية هائلة لها في مختلف المجالات. ولا تزال فرنسا أكبر مستثمر في الجزائر باستثناء الهيروكربونات، ويوجد بالجزائر نحو 450 شركة فرنسية من بينها سوسيتيه جنرال ورينو.
ومن المتوقع أن يعمل الرئيس ماكرون باتجاه رفع القيود عن بعض الصادرات الفرنسية إلى الجزائر، خصوصاً بعد فرض الأخيرة رخص الاستيراد ومنع العديد من المنتجات، والتي تضررت منها الزراعة الفرنسية مثل الحمضيات والتفاح.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال العام الماضي حوالي 7 مليار دولار حيث بلغت الصادرات الفرنسية إلى الجزائر ما قيمته 4.7 مليار دولار، أما الواردات الفرنسية فبلغت ما قيمته 3.2 مليار دولار، ومعظمها محروقات، وهو مايعني وجود فائض تجاري لصالح فرنسا بقيمة 1.5 مليار دولار.
وتنقسم أراء المراقبين حول مدى نجاح ماكرون في طي صفحة الماضي وإعطاء الأولوية للاقتصاد، فمن ناحية يستبعد فريق منهم امكانية تحقيق ذلك حيث أن ملف الذاكرة بين البلدين يعد بمثابة المؤشر الرئيسي الذي يحكم توجهات الرأي العام بشأن العلاقات الجزائرية الفرنسية وبالتالي لكي يتم بناء علاقات جديدة ينبغي البدء من الماضي وما رفض التعبير عنه، والدليل على ذلك فشل محاولة توقيع معاهدة صداقة بين الجزائر وفرنسا في عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، خصوصاً بعد صدور قانون 23 فبراير 2005 الممجد للاستعمار في فرنسا. وبناء عليه يرى أنصار هذا الفريق أنه ما لم تعترف فرنسا بجرائم الفترة الاستعمارية في الجزائر فمن الصعب أن تكون هناك علاقات طبيعية بين البلدين.
أما الفريق الآخر فهو يرى أن قضية الذاكرة بين الجزائر وفرنسا لا يمكن أن تعيق تطور العلاقات الاقتصادية، مشيرا إلى أن الشباب الجزائري يمكن أن يكون أكثر تقبلا من قدامى المحاربين لدعوة ماكرون للتطلع نحو المستقبل؛ لا سيما في ظل ارتفاع معدلات البطالة وإجراءات التقشف وانخفاض أسعار النفط الذي يوفر 95 بالمئة من موارد الدول، لذلك فهو يتطلع إلى إقامة المزيد من المشروعات التنموية والاستثمارية في بلاده، مما يجعله على الأرجح من أكثر الفئات استجابة لتوجهات ماكرون التي تعكس حماسة الشباب.
في جميع الأحوال تحمل زيارة ماكرون أبعادا مهمة في مسار العلاقات الفرنسية الجزائرية سيسعى خلالها التأكيد على تقديم صورة جديدة عن فرنسا، مُتحررة من طابعها الاستعماري، وساعية إلى صياغة علاقات جديدة قوامها التعاون والتبادل في المجالات الاستراتيجية المشتركة.

أخبار ذات صلة

المزيد

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
8 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.

أراء

إستطلاع رأي

هل تتوقع إنخفاض الأسعار الفترة القادمة؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية