تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

"جارة الوادي".. حديث الصبابة والهوي

احمد المرشد

4-08-2018
نعيش هذا الأسبوع أيضا مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب بعدما عشنا الأسبوع الماضي  مع رائعته "هان الود" التي أعاد بها حب عمره نهلة القدسي الي عش الزوجية لتنهي هجرانها له و ليهنأ معها بقية عمره، كل هذا بسبب أغنية غناها بشجن وعبر بكلماتها عن مدي لوعته علي فراق حبيبته..أما اليوم  فنعيش مع ذكري قصيدة من أروع ما غني عبد الوهاب الذي غني للحب والمكان والتاريخ، فأغانيه وقصائده في الحب والعشق والهوي كثيرة ونعرفها كلها تقريبا، أما عن المكان فغني  للنيل في "النهر الخالد"، وكانت "كليوباتره" هي حكايته مع التاريخ، وثمة قصيدة أخري عبر بها عن حبه للمكان وهي"جارة الوادي"، فكانت عبارة عن قطعة شعرية تذوب مع الموسيقي العذبة وتطوف بنا في خيال هذا الوادي الجميل الذي زادته  كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي بهاء وجمالا، حتي يكاد من يسمع القصيدة  بصوت عبد الوهاب أن يستشعر مدي حنانه هو وكاتبها وشجنهما في حب هذا الوادي الجميل..فكتب فيه شوقي من كلماته أبياتا تشعر مع  سماعها أو قراءتها بسحر وجمال المكان ورقته.
 
وقد ذهب الكثيرون وأغلبيتهم مصريون الي أن "جارة الوادي" هي مدينة علي نيل مصر، ولكن خاب ظنهم لأن عبد الوهاب غني للنهر الخالد، فلماذا يغني لجارة وادي النيل، كما غني للجندول، إذن هو يغني لمكان آخر انشغل بسحره وليس النيل أو حبيبة تسكن بالوادي المقصود هزه الشوق إليها بعد فترة فراق وبعاد، وقد كان هذاالمكان هو مدينة زحلة اللبنانية التي سلبت قلب أحمد شوقي عندما زارها لأول مرة عام 1925 ليعود إليها بعد عامين تقريبا بعدما وقع في سحرها ونادته ليسرع إليها هائما ثم يكتب فيها قصيدة "زحلة" التي تهز قلب كل عاشق لهذا المكان، خاصة وأن كل من زار زحلة سواء لبنانيا أو غير لبناني يشعر فيها وكأنه في قطعة من الجنة، أو هكذا قال أبناؤها وزوارها، فما بالنا إذا كان الشاعر الكبير أحمد شوقي من هؤلاء الزوار الذين وقعوا فيسحر المدينة:
 
شيعت أحلامي بقلب باكي -  ولممت من طرق الملاح شباكي
ورجعت أدراج الشباب ووردة - أمشي مكانهما على الأشواك
وبجانبي واه كأن خفوقة-  لماتلفت جهشه المتباكي
 
لقد أضاف أحمد شوقي بكلماته عن زحلة ليزيد من جمال أبهيب قاع لبنان بأشجارها الوارفة وعيون مياهها، وإن كانت القصيدة قد عرفت بـ"جارة الوادي" لأن عبد الوهاب اختار البيت " يا جارَةَ الوادي طَرِبتُ وَعادَني - ما يُشبِهُ الأَحلامَ مِن ذِكراكِ" ليكون بداية لقصيدته فتراجع اسم القصيدة الأصلي ليكون "جارة الوادي". ومن الطبيعي أن يقتطع عبد الوهاب بعض الأبيات ليغنيها حيث من الصعب غناء كامل القصيدة التي تغني فيها أمير الشعراء بزحلة وجنانها وخمرها وماءها فاختار ما يلي:
 
لَمْ أَدرِ ما طِيْبُ العِناقِ عَلىالهَوى
حتَّى تَرَفَّقَ ساعِدي فَطَواكِ
وتأَوَّدَتْ أعْطافُ بانِكِ في يّدي
واحمًرَّ مِنْ خَفَريهِما خَدَّاكِ
وَدَخَلْتُ في لَيلَينِ فَرْعَكِ والدُجى
ولَثَمْتُ كَالصُبْحِ المُنَوَّر فاكِ
وتَعَطَّلَتْ لُغَةُ الكَلامِ وخاطَبَتْ
عينيَّ في لُغَةِ الهَوى عَيْناكِ
لا أَمْسِ مِنْ عُمْرِ الزمانِ ولا غَدٌ
جُمِعَ الزَمَانُ فَكانَ يَوْمَ رِضاكِ
 
وعندما غني عبد الوهاب هذه القصيدة، كان في أوج نجوميته وصديقا شخصيا لأحمد شوقي حتي أنه تردد أنهما زار زحلة معا عام 1927 فانبهر بها أيضا مثل صديقه شوقي الذي زارها قبل عامين،  وقرر أن يغني كلماته تعبيرا عن روعة المدينة التي فتنت الشاعر والمطرب وخطفت قلبهما وعقلهما، فيما يعرف عن عبد الوهاب  حبه لبلاد الشام  عموما حيث كان كثير الزيارات لسوريا ولبنان وربما فلسطين أيضا، فجو بلاد الشام كان مفضلا لمطرب الأجيال ولكن جارة الوادي أو زحلة استأثرت بكل كيانه.
 
 ورغم نجاح الأغنية نجاحا ملفتا وقتها، إلا أن البعض وجه اللوم لعبد الوهاب لاختصاره القصيدة الحقيقية حتي شك كثيرون أنه يغني للنيل، ولكن بالقصيدة الأصيلة الكثير من الأبيات التي تدل علي أن المدينة لبنانية، وعلي سبيل المثال:
 
لُبنانُ رَدَّتني إِلَيكَ مِنَ النَوى - أَقدارُ سَيرٍ لِلحَياةِ دَراكِ
بِنتَ البِقاعِ وَأُمَّ بَردونِيَّها  - طيبي كَجِلَّقَ وَاِسكُبي بَرداكِ
وَدِمَشقُ جَنّاتُ النَعيمِ وَإِنَّما -  أَلفَيتُ سُدَّةَ عَدنِهِنَّ رُباكِ
تِلكَ الكُرومُ بَقِيَّةٌ مِن بابِلٍ - هَيهاتَ نَسيَ البابِلِيِّ جَناكِ
كُنتِ العَروسَ عَلى مَنَصَّةِجِنحِها - لُبنانُ في الوَشيِالكَريمِ جَلاكِ
ضَمَّت ذِراعَيها الطَبيعَةُ رِقَّةً - صِنّينَ وَالحَرَمونَ فَاِحتَضَناكِ
شَرَفاً عَروسَ الأَرزِ كُلُّ خَريدَةٍ - تَحتَ السَماءِ مِنَ البِلادِ فِداكِ
إِن تُكرِمي يا زَحلُ شِعري - إِنَّنيأَنكَرتُ كُلَّ قَصيدَةٍ إِلّاكِ
 
ويكتب  لقصيدة " جارة الوادي" أن أمير الشعراء كتبها بكلمات عبر بها عما يشعر به نحو مدينة زحلة، فخرج لنا بقصيدة بديعة لغة ومعني ومضمونا، فجاءت كلماتها خير معبر عن تلك المدينة " زحلة "  أروع منتجعات العالم كما يصفونها بأنها "عروس البقاع" نظرا لجمال مناظرها و اقترانها بواديها الذي يجري فيه نهر النطرون، وقد أثارت هذه الطبيعة الخلابة والجميلة أشجان وأحاسيس أحمد شوقي ليترجم بكلماته أشواقه ويتغزل بها في مدينته المفضلة كعشيقة بمجرد غياب عامين  فقط، ويكفي أول بيت غناه عبدالوهاب :" يا جارَةَ الوادي طَرِبتُ وَعادَني - ما يُشبِهُ الأَحلامَ مِن ذِكراكِ" وبه خير معبر عن الحب والشوق، ثم يكشف شوقي حسرته علي شبابه الذي ذهب بدون الاستمتاع بالبقاء في زحلة ونسيمها العليل.
 
وكما قلنا الأسبوع الماضي إن المطربة فايزة أحمد غنت "هان الود" بعد عبد الوهاب حتي أنه ذكر أنه لن يغني أغنية إلا بعد أن تغنيها له أولا فايزة أحمد إعجابا منه بأحاسيسها وهي تغني "هان الود"، ولكن في قصيدة "جارة الوادي" فقد عرفها معظمنا بصوت فيروز وليس عبد الوهاب رغم أنه حقق نجاحا كبيرا بها، كما وقعت في حبها المطربة نور الهدي التي قدمتها بصوتها الملائكي فيتسجيل نادر في تلفزيون لبنان عام 1969 ثم تسجيل آخر بدون موسيقي.
 
 والجميل في غناء نور الهدي لـ"جارة الوادي" أنها وقعت في حب القصيدة – كلمات وأغنية ولحنا - فأصبحت أغنية عمرها، حيث حجزت مكانة مرموقة لها لدي جمهورها وعوضت بها سنوات عمرها التي لم تغن بها، فكانت"جارة الوادي" الأغنية التي تكتب الخلود لنور الهدي بكلمات أحمد شوفي ولحن موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، ليتعرف جمهورها علي الجمال الذي تجلى في حنجرتها والنور الملائكي الذي يشع من  وجهها، فألقت الأغنية بإحساس رائع يشمل كل فنون الطرب من بحة عذبة وإحساس وألم وأنوثة وفرح وبراءة.
 
أما غناء فيروز لـ"جارة الوادي" فلهذا قصة أخري حتي وإن شاعت الأغنية بصوتها أكثر وذلك بعد سنوات طويلة من غناء عبد الوهاب لها ولكن بتوزيع موسيقي وضعه الرحبانية ليتناسب مع مقامات صوت فيروز المختلفة عن مقامات صوت عبد الوهاب الرائعة والفاتنة علي مدي فترات غنائه، حيث اتصف صوته بكل مرحلة بمميزات مختلفة ربما يحين الوقت للكتابة عنها لاحقا.
 
احمد المرشد
كاتب ومحلل سياسي بحريني

مقالات احمد المرشد

المزيد

مقالات

أراء

إستطلاع رأي

هل يستجيب المواطن لتطبيق الضريبة العقارية؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية