تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

القرارات السياسية تبقى محورية فى أسواق النفط

محسن عادل

15-02-2015

علمنا انهيار أسعار النفط درسا عن مخاطر المبالغة فى تقدير تأثير المكائد السياسية على الأسواق. اذ ثبت عدم صواب الافتراض بأن السياسة وألاعيبها قادرة على أن تبقى أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل الى الأبد.

يقفز الناس الآن الى وجهة نظر مغايرة مفادها أن قوى السوق هى من لها اليد العليا، وأنه لم يعد هناك أهمية للسياسة. وبدلا من القراءة والتنبؤ بما قد يحدث فى الرياض وفيينا، باتوا يركزون بقوة على كيف ستتكيف السلع وأسواق المال مع انخفاض الأسعار، وهو أمر، ان تم التركيز عليه بمعزل عن عوامل أخرى، لا يقل خطأ ولاخطورة عن الرأى الآخر.

السياسة لا تزال تشكل أسعار النفط. والكثير من البلدان التى تعتمد فى ايراداتها على صادرات النفط منخفض التكلفة، مثل الامارات والعراق، ستواجه تحديات على صعيد الميزانية العمومية على المدى البعيد اذا ما بقيت الأسعار منخفضة قرب سعرها الحالى عند 50 دولارا للبرميل. وفى الوقت الراهن، معظم الدول غير قادرة على دعم الأرباح من خلال زيادة الانتاج كونها تفتقر للطاقة الانتاجية الفائضة التى يمكن أن تضخها بسرعة. لكن يمكنها تحقيق ذلك على مدى فترة أطول من خلال الاستثمارات الجديدة. قد يبدو أمرا يفتقر الى الحكمة أن تعمل مجموعة من المصدرين على تعزيز الانتاج، وبالتالى اضعاف الأسعار أكثر على المدى البعيد، لكن لايعنى ذلك بالضرورة أنه لن يحدث.

ودعونا ننظر فى الحسابات التى تواجه الانتاج المرتفع التكلفة. يجادل محللون، ومن بينهم غولدمان ساكس، أن رأس المال وبالتالى نمو الامدادات النفطية ستنتقل من المصادر الحالية المكلفة مثل الرمل النفطى أو الحقول النفطية فى المياه العميقة الى نفط الولايات المتحدة الأميركية الأرخص تكلفة بما فى ذلك النفط الصخرى. لكن الحكومات لن تقف صامتة أمام هذا الاحتمال ولن تدع، على الأرجح، صناعتها تغلق أبوابها، وبالتالى ستعمد الى تعديل سياساتها فى المالية العامة وتقبل بشريحة أصغر من الكعكة للحفاظ على استدامة النشاط الاقتصادى فيها. كما قد تعمل على تخفيف المتطلبات والقواعد الخاصة بتطوير المهارات المحلية ونقل التكنولوجيا واستخدام العمالة المحلية والمنتجات المحلية التى زادت بشكل كبير من تكاليف التنقيب فى المياه العميقة فى البرازيل وإفريقيا أو تخفيف القواعد البيئية المكلفة. وهو ما من شأنه أن يساعد فى تعويض الانخفاض فى الأسعار. واذا فعلت الكثير من الحكومات الأمر نفسه، فان تأثير ذلك سيتمثل فى خفض سعر التعادل بالنسبة للدول ذات الانتاج النفطى المرتفع التكلفة.

كما تؤثر السياسة فى الطلب العالمى أيضا. فالشهية لكل شىء من معايير الاقتصاد فى استهلاك الوقود الى حوافز المركبات البديلة ستضعف على الأرجح اذا ما اعتقد المشرعون والمواطنون أن انخفاض الأسعار سيستمر. وسيؤدى فى النهاية الى زيادة استهلاك النفط العالمى، ويدفع أسعار النفط الى مستوى أعلى مما يمكن أن تكون عليه. (الاستثناء لهذا النمط يتمثل فى اصلاح دعم الوقود، الذى يجرى العمل عليه وتطبيقه فى بلدان مثل الهند وإندونيسيا، مما سيزيد من انخفاض الطلب وبالتالى الضغط على الأسعار باتجاه الهبوط بدلا من دعمها). تأثير ذلك سيستغرق بعض الوقت، ففى الولايات المتحدة على سبيل المثال، سيتركز النقاش على قوانين الاقتصاد فى استهلاك الوقود التى سيبدأ العمل بها بعد عام 2017، لكنها ستكون مركزية فى مشهد أسعار النفط على المدى البعيد.

تلك العوامل من التطورات المحتملة. علاوة على ذلك، الدول التى استثمرت بشكل كبير فى انتاج النفط قد تكثف جهودها لتنويع اقتصاداتها، ما سيؤدى الى خفض الامدادات. والبلدان المستهلكة التى تقرأ التطورات الراهنة على أنها مؤشر لتجدد التقلبات، بدلا من كونها اشارة الى انخفاض دائم فى الأسعار، قد تعزز فعليا من جهودها لزيادة كفاءة استهلاك الطاقة، ما سيؤدى الى ضعف الطلب على المدى البعيد. انخفاض الأسعار قد يسهل على الناشطين والمعنيين فى البيئة للضغط على الحكومات لوضع كميات كبيرة من النفط خارج خطط التنمية. حتى السعودية يمكن أن تغير لهجتها، سواء بسبب اعادة تقييم الدينامية العالمية أو بسبب حدوث تغيير فى القيادة.

الاعتقاد القديم بأن السياسة ستبقى النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل حفز على الدخول فى استثمارات غير حكيمة يمكن أن تؤدى فى نهاية المطاف الى هدر مبالغ كبيرة اذا ما بقيت الأسعار عند مستويات منخفضة. كما يمكن أن يترك دولا عالقة فى سياسات للطاقة يصعب اصلاحها وغير مناسبة لأسعار منخفضة وعرضة لتقلبات كبيرة. القوى السياسية التى تشكل أسواق النفط حاليا هى حتى الآن أقل وضوحا، لكنها ليست أقل تبعية. وتجاهل هذه القوى عن التفكير فى مستقبل أسواق النفط قد يؤدى الى أخطاء ثمنها لا تقل فداحة عن السابق.

مقالات محسن عادل

المزيد

أراء

إستطلاع رأي

هل حققت المشروعات الوطنية والبنية التحتية نجاحا إقتصاديا مؤثرا؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية