تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

الشائعات والخوض في الأعراض

احمد المرشد

9-02-2019
تعلق قلب رجل بفتاة فأراد خطبتها فسأل عنها أهل الحي فأجابوه بأنها "سيئة السمعة" فحزن حزنا شديدا وانطوي علي نفسه حتي رآه شيخ كبير فسأله :"ما لي أراك حزينا هكذا وقد زادك حزنك سنين عمرك وأنت لا زلت شابا في مقتبل العمر؟".. فحكي الرجل رواية حبه للفتاة وما قاله  الناس عنها، فقال له الشيخ: "خفف عن نفسك، ولا تيأس من فضل الله، ولو أردت زوجتك إحدي بناتي فاذهب واسأل عن سمعتهن حتي يطمئن قلبك".
 
 
الوضع لم يتبدل كثيرا، بل زاد سوءا، وعاد الرجل للشيخ وقال له إن أهل الحي أبلغوني أن بناتك سيئات الخلق"..وهنا فاجئه الشيخ بأنه عقيم ولا أولاد له، ولكن هذا هو حال الناس يقذفون المحصنات بالباطل ويتكلمون عن الآخرين بدون الحق، ثم أرشده الي العودة الي حبيبة قلبه وخطبتها والتمسك بها، وأنه لا يجب أن يحكم بما يسمع.
 
 
مجرد قصة قصيرة نقابلها ونسمعها كل يوم، ولكن المهم أنها قريبة من حالنا وحال الكثير منا، فمن منا لم يمر بموقف هكذا، ومن منا لم يقع في خطأ تكوين رأيه اعتمادا علي ما سمع بدلا من تغليب العقل، وكنا زمان نقول "الصورة بألف شاهد"، وهكذا ما يجب أن نفعله وألا نرضخ لكلام الناس وتقولاتهم وبهتهم ونميمتهم. وتعظم الأحاديث النبوية من قدر حقوق الناس يوم القيامة، وتنذر من عاقبة هدر هذه الحقوق والإخلال بها، وتبين السنة النبوية أن الوفاء بهذه الحقوق يوم القيامة يكون بنقص رصيد حسنات من أهدر هذه الحقوق.
 
 
 
قد يعتقد البعض أن هذه القصة نادرا ما تحدث، ولكن حالنا اليوم يؤكد أنها تحدث كل يوم ولكن ليس بهذا الشكل وإنما بأشكال أخري متعددة، ومنها علي سبيل المثال ما نراه علي مواقع التواصل الاجتماعي من شائعات تطال هذا وذاك، وأقاويل مغلوطة تنال من بعض الناس والمسؤولين والوزراء بهدف إشاعة الكراهية والبغضاء في المجتمع وبث حالة من الاستياء وعدم الاستقرار للنيل من أمننا العام. وللأسف، تنتشر الشتائم في مواقع التواصل الاجتماعي وتكون  منصة لتصفية الحسابات والإدعاءات المضللة والانتقام، بدلا من أن تكون منصة لتبادل المعرفة ونقل الأخبار الصادقة وتواصل الخير وليس معاول للهدم والتخريب.
 
 
 
القضية أخطر من نميمة وغيبة وبهتان خاصة لو علمنا حكم الشرع، فقال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ} [البقرة:83]. 
 
وحسن القول هنا هو أن يقول المرء للناس حسنا و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلم والعفو والصفح، وهذا من صفات حسن الخلق. وقد نهي رسولنا الكريم عن بعض الصفات التي تتنافي مع تمام الإيمان، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ"، فحفظ اللسان من التكلم بالسوء حتى في ذروة الغضب يجنب المسلم الحسرة والندامة، ويكسبه سكينة القلب وحلاوة الإيمان، فالكلمة قد تورث جرحا عميقا يؤذي مشاعر الناس ويكدر صفوهم. وحفظ اللسان هنا يسري علي ما نراه اليوم من شائعات علي السوشيال ميديا في حق هذا وهذه، ولكنا نعلم من هي الجهات التي تستفيد من بث هذه الشائعات.
 
 
 
وعلينا تجنب اتهام الناس بالباطل سواء في واقعنا اليومي أو علي السوشيال ميديا، فقال الله تعالى قرأنه الكريم: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [النساء:112]. 
 
وهنا تبرز الآثار العظيمة التي تترتب على اتهام الأبرياء بالباطل، وفيها ترهيب شديد من هذه الجريمة الشنيعة لكل من تسول له نفسه رمي الأبرياء بما لم يفعلوا من آثام أو خطايا، فعلي المسلم حفظ لسانه وسريرته.
 
 
 
فمن حقوق المسلم التي بينها رسول الله صلي الله عليه وسلم عدم الوقوع في المظالم مثل الغيبة والنميمة وأكل أموال الناس والخوض في الأعراض واتهام الناس بالباطل، فمن ستر مسلما وتجنب فضحه ستره الله يوم القيامة، وكذلك ضرورة تجنب اتهام الغير بالفسوق، فمن يفعل هذا لا يدرك عواقبه فعلته. 
 
وكذلك علي المسلم التوقف عن الغيبة، حتى يتجنب الوعيد والعواقب التي تترتب عليها قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خيراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خيراً مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}   [الحجرات:11- 12].
 
 فالآية تنهي عن الكثير من المظالم وهي، السخرية والتنابز بالألقاب وظن السوء والتجسس والغيبة. . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما المفلِسُ ؟ قالوا : المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ . فقال : إنَّ المفلسَ من أمَّتي ، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذ . فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه. فإن فَنِيَتْ حسناتُه، قبل أن يقضيَ ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه . ثمَّ طُرِح في النَّارِ".
 
 وللأسف الشديد، هذا ما أحدثته ثورة الانترنت وشيوع التلفونات المحمولة الحديثة التي أصبحت في أيدي الجميع، وبدلا من استماع فرد أو مجموعة قليلة لغيبة في حق أحد، أصبح الأمر علي المشاع ويقرأه الآلاف بل الملايين، فنري "بوست" واحد وقد حصل علي الملايين من علامات الإعجاب، ثم نكتشف بعدها زيف ما قرأناه وأعجبنا به، ولهذا علينا أولا التفريق  بين الحقيقة والشائعة وضرورة تدبر اللغة المكتوب بها تلك الشائعة حتي لا نقع في إثم.
 
 
 
ويحذرنا ديننا الحنيف من الخوض في أعراض الناس، فهو أمر من كبائر الذنوب، فالغيبة جرم كبير وخطرعلى المجتمع، فعثرات اللسان توقع الإنسان في الموبقات – وهذا ما ينتشر أيضا علي السوشيال ميديا -  فالنميمة تورث الحسرات والآفات، فماذا نستفيد من الغيبة والإساءة الي غيرنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرنا من الإساءة للبعض في بدنهم أو نسبهم أو خُلُقهم أو فعلهم.
 
 
 
والمستمع للغيبة والخوض في أعراض الناس نصيبه أيضا من العذاب، فالإصغاء إلى الغيبة وسماعها على سبيل التعجب والرضا بها، تعد مشاركة للمغتاب في الغيبة، خاصة إذا كان الشخص يظهر التعجب عند السماع ليستخرج كمال الغيبة من المغتاب، وهنا يقول  ابن المبارك رحمه الله: "فِرَّ من المغتاب فرارك من الأسد".
 
 كذلك الحال من يقرأ النميمة علي تلك المواقع المشبوهة يقع عليه نفس الوزر، وقد ذكر بعض العلماء :"أدركنا السلف الصالح وهم لا يرون العبادة في الصوم والصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس". 
 
ولهذا فإن حفظ حق المسلم لأخيه وصون عرضه ضرورة للمسلم،  فمن دافع عن عرض أخيه رد الله عنه عذاب النار يوم القيامة، والعكس صحيح فمن تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته، وكذلك فإن الغيبة من الكبائر،وكبائر الذنوبِ لا تكفرها الحسنات من الصلاة والصيام والصدقة وسائرِ القربات، بل لا بد من الإقلاعِ والندم والتوبة النصوح.
 

مقالات احمد المرشد

المزيد

مقالات

أراء

إستطلاع رأي

هل نجحت حملات المقاطعة في انخفاض الأسعار

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية