تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

الاقتراض الدولى ليس خطيئة

محسن عادل

16-11-2014

دائما ما أدت الأزمات الى نقاش حاد حول دور الدولة. والأزمة الراهنة ليست استثناء. كما أن الخطر المباشر والعاجل لم ينته بعد، ويمكن فقط النظر الى الأحداث فى منطقة اليورو لنتأكد من ذلك. لكن الوقت قد حان لنولى اهتماما للآثار البعيدة المدى. وهى تكتسب أهمية خاصة حين يضع المرء بالحسبان خفض العجز فى الميزانية والدين الحكومى. وهنا تجدر الاشارة الى نقطة بسيطة: المسألة لا تتعلق بالدين فقط، بل ينبغى أن تدور حول الأصول أيضا.

وحسب تقرير منشور فى صحيفة فايننشال تايمز، فإن تحدى خفض العجز فى الموازنات العامة والدين الحكومى كبير ولا يمكن المجادلة بشأنه.

ويقول تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية ان «مجرد تحقيق الاستقرار فى نسب الدين الى الناتج المحلى الاجمالى فى موعد لا يتجاوز عام 2025 يتطلب تعزيز التوازن الأساسى الأولى من المركز الحالى بما لا يزيد على متوسط 5٪ من الناتج المحلى الاجمالى فى منطقة منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية. وتشديد المعدل بما يزيد على 8٪ من الناتج المحلى الاجمالى مطلوب بالنسبة للولايات المتحدة واليابان، فى حين أن بريطانيا والبرتغال وبولندا وسلوفاكيا وايرلندا تتطلب ضبطا للدين بنسب مختلفة من الناتج المحلى الاجمالى».

كما أنه أمر لا مفر منه أيضا أن الكثير من اجراءات خفض الدين والعجز الحكومى سيقع على الانفاق. وقد اتضح الآن أنه مرتفع بصورة غير مستدامة، بالنظر الى انخفاض الايرادات المحتملة.

ومع ذلك، لا ينبغى على الحكومات أن تضحى بالمستقبل تحت وقع ضغوط الحاضر. فما المنطق من وراء خفض الانفاق اليوم اذا ما كانت النتيجة بلد أكثر فقرا فى الغد؟ وتقلب هذا النقطة رأسا على عقب العبارة المكررة بأنه ينبغى علينا أن نتجنب اثقال كاهل المستقبل بمزيد من الديون مهما تكلف الأمر. وفى الواقع ان ما ينبغى تجنبه هو اثقال كاهل المستقبل بديون عقيمة وغير منتجة، وبالتالى فان الديون المنتجة ليست عبئا بل نعمة.

فما هى اذن الديون المنتجة؟ سؤال أثارته دراسة بحثية تشحذ الفكر قدمها ديتر هيلم من جامعة أكسفورد، الخبير فى تنظيم المرافق.

النواة هى الفكرة القائلة بأن جميع المجتمعات تملك أصول البنية التحتية، والتى ينبغى التفكير فيها على أنها أنظمة. والأمثلة على ذلك أنظمة النقل والطاقة والمياه. كما لدينا أيضا الأنظمة المالية والقضائية والدفاعية والسياسية والتعليم والصحة والسوق. وكلما زادت الحضارة تعقيدا، كانت أنظمتها أكثر تعقيدا. انشاء وتطوير تلك الأصول عادة ما ينطوى على مشاركة الدولة، كمتعهد أو داعم أو منظم. والسبب فى ذلك أن فيها خصائص «المصلحة العامة». وسواء بالتفكير فى السياسة أو فى قياس الاقتصاد أو المالية العامة، هل نسأل ما اذا كنا نزيد تلك الأنظمة أم نشغلها. لأن هذا هو ما تعنيه «الاستدامة» وتدور حوله.

ويوصى البروفيسور هيلم بأنه ينبغى «ضمان أن نستثمر لتمرير بنية تحتية تكون على الأقل بجودة تلك البنية التى ورثناها». لكنه، يضيف « لفرز قضايا العلاقات بين الأجيال يتضح على الفور أننا فى حاجة الى حساب.. للبنية التحتية بالمعنى الواسع».

مثل تلك الحسابات ستكون ناقصة جدا. لكن اذا ما بذلنا الجهد، فان عبثية خفض الاستثمار العام أو دعم الدولة الكامل للتعليم الجامعى كما فعلت الحكومة البريطانية، ستكون واضحة، ليس أقله حين تكون وزارة الخزانة قادرة على الاقتراض بسعر فائدة سنوى حقيقى قريب من 1٪. ولم يحدث أن توافرت فرصة أفضل لبناء ومراكمة أصول عامة. ولسبب ما، فان هيلم لا يبدو أنه يرى أن هذا ما سيوصى به العقلاء حاليا. ومن الصعب تفهم رفضه لهذه الكينزية.

ويقول انه ينبغى على بريطانيا أن تحول الانفاق بعيدا عن الاستهلاك وباتجاه الاستثمار، على المدى البعيد. فالعالم برمته ينبغى عليه القيام بذلك. ومع ذلك، على المدى القصير، ومع تراجع معدلات الطلب من دون الطاقة الانتاجية، حتى الاقتراض الذى يرفع معدلات الاستهلاك الحالية سيكون أفضل من ترك الموارد خاملة وعاطلة عن العمل. وحقيقة أن بعض السكان (دافعو الضرائب فى المستقبل) ربما يتعين عليهم حينها أن يدفعوا أكثر قليلا للسكان الآخرين (حاملى السندات)، هى بالتأكيد مسألة من الدرجة الثانية.

ويصر البعض بصوت عال على أنه لا يمكن حل مشكلة سببها الافراط فى الدين من خلال مراكمة المزيد من الديون. لكن هذا الرأى يجانبه الصواب. فى الولايات المتحدة وبريطانيا، يقترب صافى الدين من الصفر، وبالتالى فان الدين ليس عبئا على المجتمع ككل، بل هو التزام بعض السكان تجاه بعضهم الآخر.

وكما أشار الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد بول كروغمان، فان الديون تكون مهمة فقط بسبب من هم المدينون. واذا، على سبيل المثال، عانى المدينون من خسائر غير متوقعة فى صافى الثروة أو أجبروا فجأة على السداد، فان تأثير ذلك على الاقتصاد لا بد أن يكون انكماشا حادا. واذا كانت الدولة قادرة على الاقتراض، للمكافحة والتصدى لذلك الأثر، فانه ينبغى عليها القيام بذلك. ولن يتأتى عن ذلك عبء شامل على المجتمع، كون صافى الدين سيبقى قريبا من الصفر. واذا رفعت أيضا الناتج المحلى الاجمالى فوق مستوى ما من شأنه أن يكون خلاف ذلك، فان ذلك بالتأكيد سيكون أمرا جيدا جدا.

وعلى الرغم من ذلك، فان أهم نقطة عند هيلم، هو محق فيها تماما. ينبغى علينا أن نفكر بجدية فى الأصول. والاقتراض ليس خطيئة، شرط أن نستخدم الأموال لضمان توريث بنية تحتية أفضل للمستقبل. لكن الاستهلاك غير المستدام بحاجة الى كبح. لذلك توقفوا عن التركيز على المطلوبات والديون وانظروا الى الأصول أيضا.

مقالات محسن عادل

المزيد

أراء

إستطلاع رأي

هل حققت المشروعات الوطنية والبنية التحتية نجاحا إقتصاديا مؤثرا؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية