تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

الأزمات الاقتصادية وفقاعات الائتمان

محسن عادل

2-11-2014

أصبحت التوسعات الضخمة فى الائتمان والأزمات التى تتبعها ومحاولات إدارة تبعات الأزمات ميزة الاقتصاد العالمى. قد تكون الولايات المتحدة وبريطانيا نجتا من الأزمة التى ضربت العالم قبل سبع سنوات. لكن منطقة اليورو غارقة فى ركود ما بعد الأزمة وتكافح الصين مع الدين الذى راكمته أثناء محاولاتها تعويض الخسائر فى إيرادات الصادرات بعد أزمة 2008.

دون وجود طفرة ائتمان غير مستدامة فى مكان ما، يبدو الاقتصاد العالمى عاجزا عن توليد نمو كاف فى الطلب لاستيعاب العرض المحتمل. ويبدو الأمر كما لو كان قانون المحافظة على طفرات الائتمان.

عند التمعن فى ربع القرن الماضى سنجد: طفرة ائتمان فى اليابان انهارت فى 1990، وطفرة ائتمان فى الاقتصادات الآسيوية الناشئة انهارت فى 1997 وطفرة ائتمان فى اقتصادات بلدان شمال الأطلسى انهارت فى 2007 وأخيرا فى الصين. وكانت كل طفرة من تلك الطفرات تستقبل بالترحيب والتهليل بعصر جديد من الازدهار لينتهى بها الأمر إلى الانهيار والدخول فى أزمة وما يترتب عليها من تبعات وآثار.

مؤلفو التقرير الجديد والرائع «تقليص المديونية، أى تقليص للمديونية؟». لا يرحبون بفرضيتى البائسة. وعن صواب أو خطأ، يرى معدو التقرير أن دورات الائتمان تلك هى فى الأساس أحداث مستقلة. ويبين التقرير بوضوح الطبيعة المحدودة لعمليات تخفيض الديون فى مرحلة ما بعد الأزمة، ومأزق منطقة اليورو والتحديات الكبيرة التى تواجهها الصين.

وإذا نظرنا إلى العالم ككل، نجد أنه لم يكن هناك أى تخفيض كلى للديون منذ 2008. والشىء نفسه ينطبق على الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، التى ينظر إليها على أنها كتلة واحدة. وعمل القطاع المالى على تصفية مراكز وتخفيض ديونه فى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وكذلك سعت الأسر فى الولايات المتحدة، وبدرجة أقل فى المملكة المتحدة.

وفى الوقت الراهن، ارتفع الدين العام بصورة حادة. والأزمة المالية التى أدت إلى ارتفاع كبير فى العجز المالى كانت واحدة من أهم النتائج التى توصل إليها كتاب «هذه المرة الأمر مختلف» للأستاذين فى جامعة هارفارد كينيث روغوف وكارمن رينهارت. ومنذ الأزمة، قفز معدل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى بنسبة 46٪ فى المملكة المتحدة و40٪ فى الولايات المتحدة، مقابل 26٪ فى منطقة اليورو.

حتى فى الولايات المتحدة، حيث جرت عملية تقليص مديونية القطاع الخاص بشكل سريع، كان تخفيض الديون الاجمالى صغيرا. ولا يعنى هذا بالضرورة وجود كارثة: فاذا كانت ميزانيات العمومية للحكومة أكثر قوة ومتانة من معظم ميزانيات شركات القطاع الخاص، فلتتحمل العبء.

منذ 2007، قفزت نسبة إجمالى الدين، باستثناء القطاع المالى، بمعدل 72٪ فى الصين إلى 220٪ من الناتج المحلى الاجمالى. ويمكن للمرء أن يجادل ما إذا كان هذا المستوى من الدين يمكن تحمله والإيفاء بالتزاماته. لكنه لا يمكن أن يجادل بأن مثل هذه السرعة فى زيادة معدل الدين يمكن تحملها، لأنه لا يمكن. ولهذا لا بد أن يتوقف ارتفاع الدين لما له من آثار سلبية كبيرة على معدل النمو فى الصين بدرجة تفوق بكثير ما يجمع عليه المراقبون.

دورات الائتمان مهمة كونها تثبت مرارا وتكرارا أنها تحدث ضررا بالغا. ويقسم التقرير النتائج المحتملة إلى ثلاث فئات: فى الفئة الأولى، مثل ما حدث فى السويد فى أوائل تسعينيات القرن الماضى، يتراجع مستوى الإنتاج ولا يستعيد أبدا الاتجاه الذى كان قائما قبل الأزمة، لكن معدل النمو يتعافى. وفى الفئة الثانية الأكثر ضررا، كما هو الحال مع اليابان منذ تسعينيات القرن الماضى، لا يوجد تراجع مطلق فى الإنتاج لكن النمو المحتمل يتراجع بمعدل أقل بكثير عن المعدل الذى تحقق قبل الأزمة. وأخيرا فى الفئة الثالثة، كما هو الحال مع منطقة اليورو حاليا وربما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، هناك تراجع فى الإنتاج وتراجع دائم فى النمو المحتمل.

هناك عدة أسباب محتملة لمثل هذه الخسائر المستمرة فى الإنتاج والنمو. أحدها يتمثل فى أن الاتجاه الذى كان قائما قبل الأزمة لم يكن مستداما. والثانى يكمن فى الضرر الذى لحق بالثقة، وبالتالى ضرب الاستثمارات والابتكار بسبب الأزمة المالية. لكن عبء الديون يقع ضمن أهم الأسباب وراء ذلك. وكما يظهر التقرير، فان تقليص المديونية أمر صعب والإفلاس الشامل كما حدث فى ثلاثينيات القرن الماضى أمر مدمر. لكن العمل للخروج من الدين يفرز على الأرجح حلقة مفرغة من الدين المرتفع والنمو المنخفض والعودة مرة أخرى إلى مستويات أعلى من الدين.

أسعار الفائدة للمدى الطويل منخفضة فى اقتصادات الدول ذات الدخل المرتفع. ويعزى ذلك فى منطقة اليورو، إلى حد كبير، إلى الوعد الذى أطلقه ماريو دراغى، رئيس البنك المركزى الأوروبى فى يوليو 2012 للقيام «بكل ما يلزم». وللأسف، فان نمو الناتج المحلى الإجمالى الاسمى فى منطقة اليورو سيئ وقاتم: فالتضخم منخفض للغاية والناتج المحلى الإجمالى الحقيقى ينمو بوتيرة ضعيفة تحت ضربات التقشف المالى وعدم كفاية الطلب الخاص.

ويبدو أن منطقة اليورو تنتظر، بطريقة لا تصدق، أن يأتى الطلب العالمى لينقذها ويمكنها من تحقيق النمو وتحمل مديونيتها. وقد ينجح ذلك مع البلدان الصغيرة، لكنه لن ينجح معها جميعا. ويتحدث التقرير عن «المزيج السام بين الدين المرتفع والنمو البطىء (الاسمى والحقيقى) للناتج المحلى الإجمالى» ويضيف التقرير أن دول الأطراف فى منطقة اليورو تبرز فيها هذه الحلقة الضارة من الدين والنمو على نحو شديد وحاد. وهذا ليس بالأمر المفاجئ هنا. فبلدان منطقة اليورو التى ضربتها الأزمة كانت تدار بطريقة عكسية واستبعدت السياسات التى اعتمدتها المنطقة النمو المطلوب.

إدارة الوضع والمأزق الصعب لما بعد الأزمة تتطلب مزيجا من الاعتراف الفورى بالخسائر وإعادة رسملة القطاع المصرفى وسياسات مالية ونقدية داعمة بقوة (حيث تكون مجدية ومناسبة) لتحقيق نمو اقتصادى مستدام. وينبغى أن يكون الهدف هو استخدام شفرتى المقص: تقليص مباشر للمديونية وإعادة الرسملة من جهة، وتحقيق نمو اقتصادى قوى من جهة أخرى. وقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية الأقرب فى الوصول إلى هذا المزيج على نحو سليم. يبقى أن الدرس الأكبر الذى يمكن الخروج به من الأزمة هو عدم السماح للدين بأن يتجاوز القدرة بعيدة المدى للاقتصاد لدعمه فى المقام الأول. والأمل هو أن تحقق السياسة الاحترازية الكلية هذه النتيجة.

لم تأت طفرات الائتمان تلك من فراغ. بل هى نتاج السياسات التى تم اعتمادها وتبنيها للحفاظ على استدامة الطلب مع انهيار الفقاعات السابقة، وعادة ما تكون تلك الفقاعات فى مكان آخر من الاقتصاد العالمى. وهذا ما حدث مع الصين. ولهذا نحن بحاجة إلى أن نخرج من هذه الدورة القاتمة التى لا ترحم. لكننا الآن أنجزنا صفقة خاسرة مع طفرات الائتمان التى يحركها القطاع الخاص. وبالتأكيد ينتظرنا مزيد من المتاعب فى المستقبل.

مقالات محسن عادل

المزيد

أراء

إستطلاع رأي

هل حققت المشروعات الوطنية والبنية التحتية نجاحا إقتصاديا مؤثرا؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية