تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

اعقلها فتوكل وأحسن اختيار بطانتك

احمد المرشد

7-07-2018
 
تحدثنا مرارا عن بطانة السوء وسلوكياتها المقيتة حيال أي مجتمع، فلا تقدم لأي شعب في العالم طالما كان حاكمه لا يقرب منه سوي سيئ الخلق والمنافقين والطالحين، والنتيجة الفورية لهذا يكون انتشارالمحسوبية والفساد والرشاوي وتفشي الأمراض الأخلاقية. 
 
لماذا؟.. لأن بطانة السوء هذه لايهمها سوي نفسها وأسرها لأنها تغلب المصلحة الخاصة علي العامة، لتتسيد المادة علي الروح، ويغيب العقل والدين لتنقلب أمور أي مجتمع أو دولة ما رأسا علي عقب، وللأسف لاتهتم هذه الفئة سوي بمصالحها فقط حتي لو مات الشعب بأكمله  أو ضاع حقه فيالحياة. 
 
ومن علامات بطانة السوء أو حاشية السوء أو ما يسمونه أحيانا "الجدار العازل للحاكم"، ولعهم بنفاق الحاكم وإظهار مالا يبطنون وأكل المال الحرام وتعطيل مصالح الشعب وعرقلة تنفيذ أصحاب الحاجات، لنأتي الي نقطة أخطر وهي قدرتهم الفائقة علي تطويع القوانين لخدمة مصالحهم فقط دون غيرهم من الرعية.
 
في إحدي الدول التي عانت كثيرا من آثار ما يسمونه "الربيع العربي" اكتشف الشعب أن المسؤول الكبير الذي كان أول وأخر من يلتقيه الرئيس في يومه وقبل مغادرته مقرالرئاسة، كان علي رأس الفاسدين، ومفاجأة الشعب أنهذا المسؤول طالما طالب بمحاربة الفساد في البلاد وضرورة تقديم الفاسدين والمرتشين للمحاكمة لنيل جزاءهم العادل دينا وعرفا.
 
 وكشفت تحقيقات الجهات الأمنية والنيابية العديدة مدي تربح هذا المسؤول بصورة أذهبت عقل الشعب حيث بلغت حجم أمواله في البنوك المحلية والمهربة مليارات الدولارات. المصيبة أن هذا المسؤول وهوأقرب إنسان لقلب وعقل الحاكم كان ينادي دوما بالشفافية في إدارة شؤون البلاد كسبيل لتقدمها ونهضتها لتكون مثل سائر الأمم المتحضرة والمتقدمة.
 
ولم يكن هذا المسؤول المقرب للحاكم الذي اكتشف الشعب فساده وتلاعبه بالقوانين والأحكام والأنظمة، فكل البطانة تقريبا كانت فاسدة وتلاعبت بمقدرات وخيرات الشعب الفقير وتلاعبت بالرئيس الذي اعتبرها عينه وأذنه.
 
والمشكلة أن بطانة السوء تجيد كما ذكرت التلاعب بالقوانين حيث تحفظها عن ظهر قلب وتتحايل عليها، ولكنها تجهل تماما العمل من أجل مصلحة الشعب، فهم ينجحون بدرجة امتياز  في التحايل والتلاعب في حين يجهلون مصلحة شعوبهم والتقدم بهم..والبطانة مثل الغشاوة التي يعاني منهاالإنسان عندما يضعف بصره مع إن المشكلة أكبر لأن المصاب غالبا ما يتعالج ويرتدي نظارة طبية تعوضه الجزء المفقود في الرؤية، في حين أن غشاوة البطانة لا يستطيع الحاكم أن يعالجها لأنهم يستولون علي تفكيره وعقله وكل كيان هويحجبونه عن مصالح شعبه ومشكلاتهم الحقيقية ويصورون له حياتهم كأنها الفردوس وأنه ليس في الإمكان أكثر مما كان.
 
فمن حجب الحقائق ونقل صور كاذبة بدلامن الواقع المؤلم، ومن الكذب والنفاق والتخريب بدلا من تصحيح الأخطاء وتصويبها، ومن الأنانية المفرطة الي قتل مادونهم وتدميرهم،  نجد بطانة السوء لا يرحمون وشعارهمالأهم " أنا ومن بعدي الطوفان"، ويكون ظاهرهم الرحمة والصدق والإيثار والوطنية رغم مايخزنون في باطنهم من أحقاد وضغائن وقسوة وكذب ونفاق وشر، فهم مثل الحية ناعمة الملمس ولكن سمها قاتل.
 
 
ويحضرني في هذا المقام أكثر من قصة عن بطانة السوء، منها الملك الذي سار في مدينته ليلا واكتشف أنها مظلمة تماما ولايوجد بها أي إضاءة، فخصص مبلغا ضخما لإضاءة المدينة للتخفيف عن رعيته والتخفيف عن تحركاتهم ليلا، وأمر رئيس ديوانه بتنفيذ القرار والاستفادة من المبلغ المخصص لهذا في الميزانية، فما كان من  رئيس الديوان سوي أن استقطع نصف الميزانية المخصصة لانجاز المهمة ليأمر الوزيرالمسؤول بإضاءة المدينة بالمبلغ المتبقي، حتي نجد الوزير يأمر مرؤوسه بتنفيذ  التوصيات بنصف ما تلقاه، وهكذا تمرالمسألة حتي يذهب صغارالعاملين بقطاع الكهرباء ليبلغوا السكان أمرا بضرورة المساهمة في تنفيذ إضاءة المدينة واقامة شبكة الكهرباء علي نفقتهم الخاصة حسب توصية الملك، ليعلم الملك بأمر بطانته الفاسدة ليقيلها فورا ويعاقبها أشد العقاب وليتخفف من وزرهم وحماقتهم وجرائمهم في حق رعاياه. فهل أولي الامر يبصرون  بثاقب بصرهم ما يحجبوه بطانتهم عنهم.
 
 
وأمامنا قصة الأمير الحاقد علي شعبه الفقير، فقرر أن يهبهم أموالا مسممة بحيث يموت مسموما كل ما يتعامل بها ،ليكتشف بعد فترة بسيطة أن رئيس ديوانه هو أول من ما تمسموما ثم يليه بقية كبارالمسؤولين وهلم جرا..فهؤلاء طمعوا في الأموال المسمومة التي تبرع بها الأمير الحاقد وهم لا يعلمون نيته الخبيثة ليتخلص من الفقراء ليكون هؤلاء الفاسدون هم ضحايا خطته الدنيئة وليكتشف مدي كذبهم ونفاقهم.
 
 
ويحكي عن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين أنا بنته دخلت عليه تبكي في أول أيام العيد وكانت طفلة صغيرة آنذاك فسألها: ماذا يبكيك". فردت: كل الأطفال يرتدون  ثيابا جديدة وأنا ابنة أمير المؤمنين ارتدي ثوبا قديما!.
 
 فتأثر والدها الأمير لبكائها وذهب الي خازنبيت المال وسأله : أتأذن لي أنأصرف راتبي عن الشهر المقبل؟ فقال له الخازن: ولم يا أمير المؤمنين؟. فحكي له حاجة ابنته، فقال الخازن: أوافق ولكن بشرط، فسأله عمر بن عبدالعزيز عن هذا الشرط؟ فقال لهالخازن: أن تضمن لي أن تبقي حيا حتي الشهر المقبل  لتعمل بالأجر الذي تريد صرف راتبهمسبقا.  فتركه عمر وعاد ليسأله أبناؤه: ماذا فعلت يا أبانا؟ فقال: أتصبرون وندخل الجنة معا..أملا تصبرون ويدخل أباكم النار؟..فقال الأبناء: نصبر ياأبانا. ليكون مغزي حكاية عمربن العزيز حفيد الفاروق عمر بن الخطاب، أن المجتمع السوييجب أن يمتلك الثلاثة معا"خازن بيت المال والخليفة عمربن عبد العزيز وأبناء عمر".
 
ومن قصة ابنة الخليفة عمر بن عبد العزيز، الي توجيهاته لمستشاره وكان أحد العلماء بالمدينة وقال له: " راقبني فإذا رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي وهزني هزا شديدا ،وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنك ستموت"..وذات يوم والإمام الحسن البصري جالسا عند والي البصرة، أن جاء للوالي توجيه من يزيد يغضب الله عزوجل، فإن نفذه أغضب الله، وإنلم ينفذه أغضب يزيد وربما عزله.. فقال الوالي للإمام البصرى ماذا أفعل؟ فرد عليه ناصحا: اعلم أن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
 
ولعل جل المبتغي من بطانة أيحاكم أن يكون أفرادها مثل الأبطال الذين قرروا أن ينذروا أنفسهم في سبيل رضي المولي عز وجل وتكون غاياتهم المثلي نيل محبته ولا يعيرون للدنيا أهمية فهم طلاب آخرة وفردوس،ويكون نبراسهم في الحياة جعل الشعب يعيش في رفاهية ونعيم، وألا تشكل لديهم الأموال والبنوك أي قيمة فلا يقبل ونعليها ويكنزونها.
 
وتتجسد قيمة البطانة الصالحة في قيمتهم الفكرية الراقية وروحهم الواثبة لفعل الخير وتساميهم علي القيم الدنيوية والتمسك بأهدافهم النبيلة وفرض أفكارهم الصالحة علي من يعملون بجانبه ويتخذهم مستشارين له، فهم علي يقين تام بأن الحياة  فانية والآخرة باقية، ولهذا نراهم وقد نذروا أنفسهم لخدمة شعوبهم، ويرفعون شعار "جمع ووحد ولا تفرق" ووسيلتهم فيعملهم تحقيق الهدف وهو"نحن نعمل من أجل الشعب وليس من اجل مصالحنا  نحن " ،وتكون سعادتهم في سعيهم ليكونوا مفيدين ومثمرين للمجتمع وتقدمه ورقيه.. فقد كتب أحد الصالحين الى أحدالأمراء: شاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة السوء، فإنهم يريدوندراهمك ويقربون من النار لحمك ودمك.
 
قال – تعالى - : ( يا ( يا أيها الذينآمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكملا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قدبدت البغضاء من أفواههم وماتُخفي صدورهم أكبر) آل عمران
 
ختاما لا أقول الا مايقوله أأمتنا اللهم ارزق ولي أمرنا البطانةالصالحة وجنبه بطانة السوء.
 
احمد المرشد
كاتب ومحلل سياسي بحريني
 

مقالات احمد المرشد

المزيد

أراء

إستطلاع رأي

بعد تأجيل شركة الشرقية للدخان.. هل الوقت مناسب لطرح الشركات الحكومية بالبورصة

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية