تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

أمراض اقتصادية وسياسية مزمنة تعيق النمو العالمى

محسن عادل

8-02-2015

أى نوع من العالم نعيش فيه الآن؟ الاجابة الصحيحة عن ذلك هو أنه عالم يتميز بالأمراض الاقتصادية والسياسية المزمنة. وفيما يلى الأوضاع الستة الثابتة والدائمة التى تميز الـ«الوضع الطبيعى الجديد».

الأول: نقص الطلب. الفكرة وراء حدوث «ركود كبير» هى أنه بدون تضخم سريع فى أسعار الأصول أو سياسة نقدية قوية على نحو استثنائى، تبين أنه من المستحيل توليد وايجاد طلب كاف لاستيعاب العرض العالمى المحتمل.

النقص العالمى المزمن هو حالة عالمية، وهى قائمة قبل فترة من وقوع الأزمة المالية العالمية فى 2007/2009. وهى لاتزال قائمة إلى اليوم. وان كان هناك من تغيير، فهو أنها ربما تزداد سوءا. وبشكل عام، عبء الديون فى الاقتصادات التى ضربتها الأزمة لايزال مرتفعا جدا. وفى الوقت الراهن، تقلصت حرية الاقتصادات الناشئة، بما فى ذلك الصين تحديدا، فى قدرتها على المناورة فى السياسات مع ارتفاع الديون فى القطاعين العام أو الخاص (وغالبا فى كليهما).

والتعويض المعقول الوحيد يتمثل فى انخفاض أسعار النفط الذى أدى إلى تحويل الدخل من المدخرين إلى المنفقين. ومن المفترض أن يخفف هذا الأمر من سوء الأوضاع، وأن يشيع الارتياح لكن بشكل مؤقت فقط.

وبينما يتعزز النمو فى الولايات المتحدة وبريطانيا، كما يمكن للمرء أن يأمل بعد سنوات من السياسات النقدية القوية، الا أن منطقة اليورو لاتزال فى وضع كساد خطير. كما لايزال يتعين على اليابان الخروج من فخ الانكماش العالقة فيه.

الثانى: ركود الانتاج. منذ الجزء الأخير من القرن الماضى، انخفض النمو الأساسى فى انتاجية العمل فى الاقتصادات ذات الدخل المرتفع بنحو 2٪ سنويا إلى أقل بكثير من 1٪. ويؤدى غالبا انخفاض النمو فى الانتاجية إلى كبح واعاقة كل من الاستثمار والاستهلاك، مع تراجع الدخل المستقبلى، ما يؤدى إلى تفاقم نقص الطلب. كما يزيد من شدة ارتفاع عدم المساواة. لكن لحسن الحظ لايزال بامكان الاقتصادات الناشئة اللحاق بالمستويات الانتاجية عند الاقتصادات الغنية.

الثالث: التمويل الهش. النظام المالى العالمى فى بعض النواحى هو أكثر هشاشة مما كان عليه قبل الأزمة. والنظام المصرفى فى الدول الغربية بات أكثر تركيزا من السابق. ونسبة الموجودات إلى حقوق المساهمين، عند العديد من البنوك العالمية الكبيرة هى حوالى 25 إلى 1، وهو ما يجعلها ضعيفة وعرضة للمخاطر. ومع ذلك، فان الحوافز لنقل النشاط المالى خارج النظام المالى العالمى الأساسى الذى يخضع لدرجة عالية من التنظيم، قوية. أحد مصادر القلق يتمثل فى تمويل الشركات فى الأسواق الناشئة من خلال السندات المقومة بالدولار.

وعلاوة على ذلك، فان غياب الشفافية فى الميزانيات العمومية لا يزال كبيرا، ويصعب التعامل معه. ففى نظام مالى عالمى معقد، تكون قدرة المشاركين على فهم الميزانيات العمومية محدودة. ويميل ذلك إلى توليد دورات ساحقة تنزع إلى المخاطر يتبعها عزوف ناجم عن الذعر. ويميل انخفاض العائدات الحقيقية على الأصول الآمنة إلى مفاقمة شدة النزوع نحو المخاطر، وبالتالى النفور منه.

الرابع: السياسة غير المستقرة. تدهور الأداء الاقتصادى وارتفاع معدلات عدم المساواة يولدان ضغوطا سياسية كبيرة. الديموقراطيات الغربية المستقرة حتى الآن تظهر فيها علامات تدل على وجود اختلافات حادة فى الرأى العام المحلى، ومشاعر عداء تجاه النخب السياسية ورجال الأعمال. وهناك عنصر مشترك يتمثل فى العداء لكل من الأجانب والمشاريع السياسية التى تتجاوز حدود الوطن. بريطانيا، على سبيل المثال، التى كانت فى الماضى نظام حكم ديمقراطيا مستقرا على نحو استثنائى، لم تعد كذلك. وتشكل مثل هذه التوترات تهديدا بشكل خاص لمنطقة اليورو.

المنعطف الحالى للعجلة الاقتصادية سيجهد ويضغط أيضا على البلدان الناشئة الهشة سياسيا. فمع تراجع أسعار السلع، ستظهر الديون المعدومة، وتنتهى معها أيام تدفق الأموال الرخيصة.

تتميز بعض مناطق العالم بدول ضعيفة أو حتى غير موجودة. وفى بعض الأحيان، هناك دول تكون غير قادرة على العمل وأداء دورها نهائيا. وأحيانا تنهار أنظمة دكتاتورية هشة، كما حصل فى سوريا. وفى كلتا الحالتين، يشجع غياب النظام على التدخل وينشر الفوضى.

الخامس: الجغرافيا السياسية المتوترة. نعيش فى عصر يشهد تغييرات سريعة فى ظل قوة اقتصادية نسبية، تتمثل فى صعود الصين والتراجع النسبى فى كل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

وتعتبر الصين دولة حازمة، فى حين تعد روسيا دولة توسعية، بينما يتسم الغرب بالحذر. فى هذا العالم، امكانية ارتكاب سوء تقدير جدى وكبير هو واقع دائم. فقبل عام، كان الحديث يدور حول خلاف بين الصين واليابان، أما الآن فالخلاف بين روسيا والغرب. ولايمكن لأحد أن يكون متأكدا مما قد يحدث لاحقا.

السادس: ارتفاع مستوى التحديات. هذه النظم السياسية المجهدة تواجه تحديات محلية ودولية كبيرة. ومن بين هذه التحديات توريد السلع العامة العالمية، الذى يتضمن الحفاظ على الاقتصاد العالمى المفتوح والسلام والموارد العالمية.

من الصعب دائما على عدد كبير من الدول أن تتعاون بشكل وثيق فيما بينها. لكن بعض تلك التحديات تتسم بصعوبة بالغة. وتعتبر ادارة التغير المناخى هى الأصعب. مع ذلك، كان عام 2014 هو الأكثر حرارة على الاطلاق. هذه الظروف مزمنة، لكن ليست حرجة. ولا يمكن علاجها بسرعة أو بسهولة. لكن يمكن ادارتها والتعاطى معها. ولا يجب أن تقف عائقا أمام استمرار النمو الاقتصادى، لاسيما فى الاقتصادات الناشئة. لكن عملية التقارب هذه تعمل فى سياق اقتصادات مجهدة وسياسة هشة. وفى الواقع، يفاقم التقارب، فى نواح مهمة، التوتر. وفى الواقع، لايمكن أن نتجاهل جميع تلك الصعوبات، بل على العكس يجب أن نبذل جهدا أكبر للتخفيف منها.

مقالات محسن عادل

المزيد

أراء

إستطلاع رأي

هل حققت المشروعات الوطنية والبنية التحتية نجاحا إقتصاديا مؤثرا؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية